فقه القلوب والأسباب: التكييف الفقهي لاقتران الضار بالنافع وحكم التعامل مع البلاء
فقه الأدب في الدعاء والثناء: اقتران الجلال بالجمال اعلم يا ولدي، فقهنا الله وإياك في دينه، أن الفقه ليس قاصراً على حركات الجوارح من صلاة وصيام فحسب، بل إن من أجلِّ أبوابه "فقه القلوب" وفقه مناجاة علام الغيوب.
ومن المقررات الفقهية في أدب الدعاء والتعامل مع أسماء الله الحسنى، أنه يُكره بل ويُمنع من باب الأدب أن يُفرد العبد اسم الله "الضار" بالذكر أو الدعاء مستقلاً؛ بل يجب فقهياً وروحانياً أن يُلحق دائماً باسمه "النافع" ⁽¹⁾.
ولعلك تتساءل عن العلة الفقهية والروحية لهذا المنع؟ فأجيبك بأن هذا الأدب شُرع لكي يستقر في يقينك أن هذا الكون له ربٌّ يدبره، وأن هذه المملكة لها مديرٌ حكيمٌ يصرف شؤونها.
فإذا قلت "الضار النافع"، أثبتَّ لله كمال التصرف والقدرة، ونفيت عنه محض الإضرار الخالي من الحكمة، فالله يتنزه عن العبث، وكل قضاء يقضيه إنما هو دائر بين العدل والرحمة.
فقه الأخذ بالأسباب والتعامل مع البلاء المنظور وضَعْ نُصْبَ عينيك، وتأمل معي في التأصيل الفقهي لـ "فقه الأسباب والمسببات" حين نقرأ قوله تعالى: ﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ⁽²⁾.
توقف معي هنا لنتدبر الفقه الدقيق في قوله: "بِه"..على مَن تعود هذه الهاء؟ إنها تعود على السحر المذكور في صدر الآية: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ ⁽³⁾.
لقد كان هؤلاء السحرة حاذقين ومتمكنين من أسباب السحر، لكن الفقه الإسلامي يقرر أن هذه الأسباب مهما بلغت قوتها فهي مسلوبة التأثير الذاتي.
وهنا تنبيه فقهي دقيق وحذرٌ واجب: إياك يا بني أن تفهم من قولنا هذا أن يهمل المسلم التداوي أو يترك الأخذ بالأسباب بدعوى التوكل المطلق؛ فهذا فهمٌ سقيم يميل إلى مذهب الجبرية الباطل، ويخالف صريح السنة المطهرة التي أمرتنا بالتداوي والأخذ بأسباب الوقاية، كما صح في الحديث: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ مَعَهُ شِفَاءً» ⁽⁴⁾.
فالفقه الصحيح هو أن تأخذ بالسبب بوارحك (كأن تذهب للطبيب أو ترقي نفسك)، بينما يظل قلبك معلقاً بـ "المُسَبِّب" وحده، موقناً أن السحر أو المرض إن جرى في مقدرات حياتك فهو "فعل السبب للسبب"، أما القلب المحصن بذكر الله فهو محكوم بمانع قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ ⁽⁵⁾.
فقه الرضا والتكييف الشرعي للأمراض والأوبئة لذا، كان لزاماً علينا أن نقرن اسم الله "الضار" باسمه "النافع"؛ لأن التكييف الفقهي والروحي للابتلاء يقتضي أن الله وقتما يأذن بالضر الظاهري، فإنه ينفع به الباطن نفعاً جليلاً.
فالله تعالى لا يضر أحداً ليعتدي عليه، بل قد يأذن لسببٍ أن يقع، ليرقي العبد في مراقي الرضا والصبر.
فكما ترى، قد يبتلي الله إنساناً، فيأذن لفيروسٍ صغير أن يصيب جسده بمرض، فمن الفقه هنا ألا نرى المرض غضباً محضاً، بل نراه عارضاً يأخذ بيد العبد المريض إلى التضرع، ويسوقه إلى نيل مرضاة الله، محققاً فيه الأجر الشرعي الوارد في قوله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ⁽⁶⁾.
فالأخذ بأسباب العلاج فريضة، والصبر على ما يقضيه الله عبادة، وهذا هو كمال الفقه في الدين.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (حصن المعية الإلهية: أسرار اقتران اسمي الله الضار والنافع في دفع البلاء)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (حصن العقيدة: أسرار توحيد الأسماء والصفات في فهم حقيقة الضار النافع ومعية المُسَبِّب)العقيدة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (مقامات الرضا والتسليم: أسرار التزكية في اقتران الضار النافع والتحصن بمعية المُسَبِّب)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (التأصيل العلمي والأدبي لأسرار اقتران أسماء الجلال والجمال)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (الخوف من السحر وأذى الخلق: كيف أتحصن بمعية الله؟)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (الابتلاء بالمرض والأوجاع: كيف أصل إلى مقام الرضا وأدفع عني السخط؟)الأسئلة
وقت القراءة 4
