بقلم: الشيخ جابر بغدادي
سر النجاة من سحر التعطيل ومكائد البشر ببركة اليقين والصلاة المنجية
سر النجاة من سحر التعطيل ومكائد البشر ببركة اليقين والصلاة المنجية
في كنف العناية الإلهية أمام مكائد البشر
أيرومون عزلك عن مقامك الذي أنت فيه؟ أيبتغون التفريق بينك وبين أهلك ومحبيك؟ أيسعون للعدوان عليك وإلحاق الأذى بك؟ هل اجتمعوا وأحكموا كيدهم؟ يا ولدي، لا يداخلن قلبك خوف من أحد، بل انصب هذا القانون الإلهي نصب عينيك، وتأمل قوله جل في علاه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾⁽¹⁾.
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾..أتظنون يا أحبتي أن الخالق العظيم قد أسلم عباده لعباده؟ أو أنه تركهم هملاً لتصاريف البشر ومكائدهم؟ حاشا لله.
قد تبلغ بهم الجرأة أن يدبروا مكيدة القتل، ولكن الحق يقول بلسان القدرة: نحن من وهبناك سر الحياة، وليس لأحد من الخلق قاطبة أن ينزعها سوى واهبها.
وأنا الذي أفضت عليك من خزائن الرزق، فلا يملك مخلوق أن يعطل رزقاً ساقه الخالق إليك.
فإذا أطلقهم الحق وردهم إلى فعل ذلك ليمكروا بك ظاهراً، فإنه سبحانه يحيط بهم بلطفه الخفي، فيجعل من مكرهم ذاته سببًا لنجاتك، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
خرافة التعطيل ومزالق اليقين
يأتي أحدهم شاكياً: "لقد صنعوا لي سحر تعطيل"! يا ولدي، من هؤلاء الذين تزعم أنهم يعطلون تدبير الله؟ إن وهم التعطيل هذا ما هو إلا تجلٍّ لمعنى "ليثبتوك" في الآية الكريمة، ولكنه أوهى من حفنة تراب تذروها الرياح، فلا تركن إلى مثل هذا العبث.
وما يندى له الجبين عجباً، أن فضاءات التواصل الاجتماعي قد غصت وسالت أوديتها بمثل هذا الدجل وتلك التخاريف، حتى إن العوام قد اطمأنوا إليها، ووثقوا بها، وعقدوا عليها آمالهم ومخاوفهم، فالتجأوا إليها لدرجة أن الناس نسيت أن للكون رباً يدبر الأمر! لقد غاب عنا اليقين المطلق بالله جل جلاله.
إياك يا ولدي أن أسمع مؤمناً موحداً يردد بعد اليوم بلسان العجز قائلاً: "لقد عقدوا لي سحر تعطيل".
من هؤلاء الضعفاء حتى يعطلوا إرادة رب الأرض والسماء؟
مواجيد الأنبياء في كنف العناية الربانية
حينما خاطب الحق تبارك وتعالى نبيه المصطفى بقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، كان يعلمه بأنه مأمور بالهجرة والمضي في طريق الدعوة كسائر من سبقه من الأنبياء والمرسلين.
ويذكره بما جرى لروح الله سيدنا عيسى عليه السلام، حين تآمر القوم واجتمعوا في ندوة كيدهم ليقضوا عليه ويتخلصوا منه، فجاء الرد الإلهي القاطع: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾⁽²⁾.
﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾..هكذا يصف الحق المشهد: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾⁽³⁾.
لقد مكروا ليقتلوا عيسى، ومكر الله لينجيه، ومكروا ليثبتوه في الأرض، ومكر الله ليرفعه إلى السماء.
وفي هذا القصص القرآني ترويض وتدريب للقلب النبوي الشريف على شهود العناية الربانية، وإدراك أزلية الأولية في مسيرة الأنبياء.
فتعزى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما حدث في روح الله عيسى، واستقر في وجدانه أنه لا يملك أحد من العالمين أن يمس بسوء عبداً أوى إلى ركن الله الشديد واستظل بكنفه.
فقال موقناً: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
اتصال المكر وتفرد الخالق بالتدبير
وتأمل يا ولدي دقة اللفظ القرآني حين يقول: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ﴾، فجاء بصيغة المضارع للدلالة على استمرارية الفعل، فهم لا يزالون ينسجون خيوط كيدهم ولم يتوقفوا، ولكن ما العاقبة؟ ﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
فعاد قلب المصطفى مستنداً إلى قوله ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ قاطعا بأنها مهيمنة على كل مكر سبق، فعلم علم اليقين أن الله جل جلاله يستحيل أن يخذل عبداً التجأ إليه ولاذ بحماه.
فاعلم يقيناً أن للكون مكوّناً أبدعه، وللمملكة ملكاً يدبرها، وللحياة حياً يمدها، ولقيامها قيوماً يقيم أودها، وللأرزاق رزاقاً يكفلها.
فمحال، ثم محال، أن يستطيع إنسان ضعيف أن يعطل أمراً فعله الله، أو أن يفعل أمراً عطله الله سبحانه.
التوجيه العملي لدفع التعطيل وفك الكروب
فإذا ما ضاقت بك السبل وأحسست بوطأة الخطوب، فقم بين يدي مولاك وصلِّ ركعتين خالصتين لوجهه الكريم:
اقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ﴾⁽⁴⁾.
وصلِّ في الركعة الثانية بقراءة قوله الحق: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾⁽¹⁾.
ثم بعد ذلك، وعقب الانتهاء، توجه إلى الله بهذا الدعاء المبارك والسر الأعظم قائلاً: "اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، صلاةً تنجينا بها من جميع الأهوال والآفات، وتقضي لنا بها جميع الحاجات، وتنجينا بها من جميع السيئات، وترفعنا بها أعلى الدرجات، وتبلغنا بها أقصى الغايات من جميع الخيرات في الحياة وبعد الممات"⁽⁵⁾.
وحينها، أبشر يا ولدي، فسينفك عقد كل تعطيل، وتتلاشى كل مكيدة، إن كان لها في الواقع من وجود.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (عقيدة التوحيد في مواجهة وهم التعطيل: قراءة عقدية في طلاقة القدرة الإلهية)العقيدة
