Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة الشريعة

الأحكام الفقهية والروحية في دفع سحر التعطيل: مشروعية صلاة الحاجة والتوسل بالصلاة المنجية

مقال فقهي وسلوكي بليغ يُستنبط من توجيهات فضيلة الشيخ جابر بغدادي، يبين الأحكام الشرعية في التعامل مع ما يُسمى "سحر التعطيل"، ويؤسس لفقه صلاة الحاجة والدعاء، مع الرد العلمي على المتنطعين في مشروعية التوسل بالصلاة المنجية لفك الكروب وفق ضوابط الشريعة المطهرة.

فقه التوكل في مواجهة مكائد البشر والنوازل
يا ولدي، إذا ألمت بك الملمات، ورأيت أن أهل الدنيا قد تآمروا ليعزلوك عن منصبك ومقامك الذي أنت فيه، أو يبتغون التفريق بينك وبين أهلك، أو يسعون للتعدي عليك؛ فلا تجزع ولا يداخلن قلبك خوف من أحد.
هل اجتمعوا وأحكموا كيدهم؟ قف عند حدود الشرع الحنيف، وحُط هذا القانون الإلهي، والحكم الفقهي العقدي نصب عينيك: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾⁽¹⁾.
أتظنون يا أحبتي أن الخالق الجليل قد أسلم عباده لعباده؟ أو أنه ترك مملكته لتصاريف الخلق؟ من فقه اليقين أن تعلم أنهم لو فكروا في قتلك، فإن الشريعة تقرر أن الله هو المانح للحياة، وما من مخلوق يعرف أن ينزعها غيره.
وهو سبحانه الذي أعطاك الرزق، ولا يملك أحد أن يعطله سواه.
فإذا ردهم إلى فعل ذلك ليمكروا بك، فسيحيط بهم لطفاً، فيمكر نجاة لك، لأنه سبحانه ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
وهنا لابد من إرساء قاعدة فقهية احترازية: إن الاعتماد على الله لا يعني سقوط التكليف أو ترك "الأخذ بالأسباب" المشروعة لدفع الأذى.
فالفقه الصحيح يوجب عليك السعي لدفع الصائل بالطرق المباحة، مع تفويض القلب لخالق الأسباب، فلا تعارض أبداً بين الشريعة والحقيقة في منهج أهل السنة.
الحرمة الفقهية للجوء إلى العرافين ووهم التعطيل
يأتي أحدهم شاكياً بلسان الغفلة: "لقد صنعوا لي سحر تعطيل"! يا ولدي، من الناحية الفقهية، مَن هؤلاء الذين يملكون تعطيل مراد الله؟ إن وهم التعطيل هذا ما هو إلا تفسير قاصر لمعنى الإثبات في قوله تعالى ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾، ولكنه في ميزان الشرع أوهى من حفنة تراب، فلا تفعل ذلك ولا تركن إلى هذا العبث.
والغريب، وما يُدمي القلب في زماننا، أن فضاءات التواصل الاجتماعي قد امتلأت بمثل هذا الدجل ومثل هذه التخاريف، حتى إن الناس وثقت فيها ولجأت إليها، لدرجة أنهم نسوا أن للكون رباً يدبر الأمر، ونسينا اليقين بالله.
إن الفقه الإسلامي يحرم اللجوء إلى هؤلاء العرافين والدجالين تحريماً قاطعاً، وقد صح عن النبي التحذير من ذلك بقوله: «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة»⁽²⁾.
فإياك يا ولدي أن أسمع مسلماً يردد بعد اليوم: "عاملين لي سحر تعطيل".
من هؤلاء الذين يعطلون؟ إن هذا الاعتقاد يفسد صحة العبادة ويقدح في فقه التوحيد.
فضاء المشاهدة: الفقه المستنبط من سير الأنبياء
ولنا في قصص الأنبياء أسوة وفقه عملي بليغ.
فحينما خاطب الحق سبحانه نبيه المصطفى بقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، كان يعلمه بأنه مأمور بالهجرة كمن سبقه من الأنبياء.
فذكره بمكر القوم بروح الله سيدنا عيسى عليه السلام، حين اتفقوا وعقدوا "ندوة" ليتخلصوا منه ويقضوا عليه، فجاء الحكم الإلهي النافذ: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾⁽³⁾.
يوم يصف ربنا المشهد يقول: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾⁽⁴⁾.
مكروا ليقتلوا عيسى، ومكر الله لينجيه؛ مكروا ليثبتوه، ومكر الله ليرفعه.
وفي هذا ترويض وتدريب للقلب النبوي الشريف بالمشاهدة على أزلية الأولية في حياة الأنبياء.
فتعزى رسول الله بما حدث لروح الله، وعرف أنه لا يستطيع أحد من العالمين أن يمس عبداً في كنف الله.
فلما قال له: ﴿وَيَمْكُرُونَ﴾ بصيغة المضارع التي تفيد الاستمرار، علمنا أن كيدهم شغال ولم ينقطع، ولكن عود المصطفى كان على قوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، فعلم يقيناً أن الله لا يخذل عبداً التجأ إليه.
فقه النوافل: مشروعية صلاة الحاجة وتخصيص الآيات
فاعلم يا ولدي يقيناً أن للكون مكوّناً، وللمملكة ملكاً، وللحياة حياً، ولقيامها قيوماً، وللرزق رزاقاً؛ ولا يستطيع إنسان كائناً من كان أن يعطل ما فعله الله، أو يفعل ما عطله الله.
فإذا ضاقت بك السبل، فافزع إلى العبادة الظاهرة، وطبق فقه "صلاة الحاجة" التي شرعها لنا الإسلام لدفع النوازل.
صَلِّ ركعتين لله تعالى؛ اقرأ في الركعة الأولى قوله تعالى الذي يرسخ فقه الملك المطلق لله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ﴾⁽⁵⁾.
وصلِّ في الركعة الثانية بقراءة الآية التي تنسف مكر البشر: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾⁽¹⁾.
وهذا التخصيص للآيات في النوافل جائز فقهياً، وقد استحبه العلماء وجرى عليه عمل الصالحين في "المجربات" المباحة التي توافق نصوص الشريعة ولا تخالفها.
فقه الدعاء: التوسل المشروع بالصلاة المنجية
ثم يوجهنا الشيخ المربي بعد الصلاة إلى فقه الدعاء وأسرار العبادات.
قل بعد الصلاة متوسلاً إلى الله بأحب الأعمال إليه: "اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، صلاةً تنجينا بها من جميع الأهوال والآفات، وتقضي لنا بها جميع الحاجات، وتنجينا بها من جميع السيئات، وترفعنا بها أعلى الدرجات، وتبلغنا بها أقصى الغايات من جميع الخيرات في الحياة وبعد الممات"⁽⁶⁾.
وهنا لابد من وقفة فقهية علمية لرد شبهات المتنطعين والجافين: إن التوسل إلى الله بالصلاة على نبيه ، والدعاء بهذه الصيغة المباركة المعروفة بـ "الصلاة المنجية"، هو من صميم الفقه الصحيح.
فهو توسل بعمل صالح قطعي القبول، وقد نص أئمة الفقه على جواز التوسعة في صيغ الدعاء والصلاة على النبي ما دامت المعاني توافق أصول الشريعة.
وحين تلجأ إلى الله بهذا السر الفقهي والروحي، فسينفك عقد كل تعطيل، إن كان له في الأصل من وجود!

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

الشيخ جابر بغدادي