عقيدةُ التوحيدِ في سورةِ الفاتحة: الأسرارُ العَقَدِيَّةُ لِعلاجِ كَمَدِ الوَحْدَةِ | الدكتور جابر بغدادي
عقيدةُ المعيَّةِ القَيُّومِيَّة: الكَونُ لَهُ رَبٌّ يَسْمَعُ ويُجِيب
أيها السائرُ في تيهِ الاغتراب، يا مَن يعتصرُ قلبَكَ كمدُ الوحدةِ وتطحنُكَ رَحى الاكتئاب، فتصرخُ في غياهبِ صمتِك: "لا أحدَ في هذا الوجودِ يفهمني، ولا أُذنَ تسترعي انتباهَها شكواي"، حتى أوصدتَ يا ولدي عليكَ بابَ غرفتِك، واعتزلتَ الخَلقَ بعدما استيأستَ من إدراكِهم لِعمقِ جرحِك..أفتظنُّ يا ولدي –في غمرةِ هذا الوجع– أنَّ الكونَ متروكٌ لِفوضى الفراغ؟ أوَ خُيِّلَ إليكَ في سكرةِ حزنِكَ أنَّ هذا الوجودَ الممتدَّ بلا رَبٍّ يحكمُهُ، ويُدبِّرُ أمرَهُ، ويسمعُ دبيبَ النملةِ السوداءِ على الصخرةِ الصمّاءِ في الليلةِ الظلماء؟
قُم يا ولدي، وانفضْ عن روحِكَ غبارَ الوهم، وانصبْ وجهَكَ للقبلةِ معلناً عقيدةَ التنزيهِ المطلقِ بقولِك: "اللهُ أكبر"، ثم ادخلْ في رحابِ هذا العهدِ الإلهيِّ الأقدس، واقرأ ما تجلَّى في الحديثِ القدسيِّ الشريفِ الذي يرويهِ لنا الإمامُ مسلمُ بنُ الحجّاجِ (ت: ٢٦١ هـ) (إمام المحدثين)⁽¹⁾: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ»⁽¹⁾، فإذا قال العبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾⁽²⁾؛ قال اللهُ جلَّ جلالُه: «حَمِدَنِي عَبْدِي»⁽¹⁾.
تأمَّلْ يا ولدي هذه العقيدةَ المذهلة؛ إنها عقيدةُ "التخاطبِ الحقيقيِّ المباشر" بينَ الخالقِ والمخلوق، التي يقررُ فيها الإمامُ الطبريُّ (ت: ٣١٠ هـ) (إمام المفسرين)⁽⁸⁾ أنَّ إثباتَ "الربوبيةِ للعالمين" هو إقرارٌ بهيمنةِ القيُّومِ الذي لا يَشغَلُهُ سَمعٌ عن سَمع، فكيفَ تشعرُ بالوحدةِ وأنتَ في صلاتِكَ على موعدٍ مع مكالمةٍ عُليا، طرفُها الآخرُ هو مَلِكُ الملوك؟
توحيدُ القَصْدِ والاسْتِعَانَة: سِرُّ الحَصْرِ في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾
وإذا أعرضَ عنكَ أهلُ الأرضِ، وصَمُّوا آذانَهم عن أنينِك يا ولدي، فتمهَّلْ..تريَّثْ قليلًا بعدَ أن تلهجَ بقولِك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾⁽²⁾، وأَرْهِفْ سمعَ قلبِك؛ فإنَّ العيبَ العَقَديَّ الذي أصابَكَ هو أنكَ اعتدتَ أن تتكلمَ للبشرِ فلا يسمعُكَ أحد، واعتدتَ أن تتكلمَ ولا تُنصتَ للجوابِ الربانيّ.
فإذا وقفتَ بين يديِ الله، فاصمتْ هنيئةً؛ لأنَّ هناكَ في الملأِ الأعلى مَن يردُّ عليك.
أَتَخَلَّى عنكَ أهلُ الأرضِ؟ أَعَجَزُوا عن فهمِك؟ إنَّ لكَ رَبّاً خلقَك، وصنعَك، وأنشأكَ من عدمٍ، هو وحدهُ الذي يفهمُ سِـرَّك.أَمَا عادَ في الخَلقِ مَن يعبأُ بدموعِك؟ اعلمْ يقيناً أنَّ دمعتَكَ في ميزانِ العقيدةِ غاليةٌ جداً عندَ مولاك؛ فما إن تناديهِ مُجرِّداً التوحيدَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾⁽³⁾، حتى يأتيكَ المددُ: "أنا أسمعُك".
وقد تنبَّهَ الإمامُ فخرُ الدينِ الرازيُّ (ت: ٦٠٦ هـ) (سلطان المتكلمين)⁽⁴⁾ إلى سِرٍّ عَقَديٍّ هنا؛ فقال إنَّ تقديمَ المفعولِ "إياكَ" يفيدُ "الحصرَ المطلق"؛ أي: نفيَ الشريكِ في العبادةِ، ونفيَ الشريكِ في طلبِ العون، فمَن طلبَ العونَ الوجوديَّ من غيرِ اللهِ فقد خرمَ كمالَ استعانتِه.
انظرْ يا ولدي إلى بديعِ اللطفِ حين تقولُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾⁽⁵⁾، فيُباهي بكَ الحقُّ قائلاً: «أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي»⁽¹⁾! تبكي وتشتكي: "لقد شكرتُ كلَّ الناسِ فما قدّروني، وفعلتُ الخيرَ فيهم فما شكرني أحد"؟ فيأتيكَ الردُّ العَقَديُّ المطمئنُ من ربِّك: اسمعْنا ونحنُ نقولُ لملائكتِنا: «أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي»، نحنُ وحدَنا الذين نعرفُ حقيقةَ ما صنعتَ، ونحنُ الذين نُجازيكَ عليه، فما حاجتُكَ بعدَ شهودِنا لِشهودِ الخَلق؟
عَقِيدَةُ الكِفَايَةِ الإِلَهِيَّةِ وسُنَّةُ التَّأْدِيبِ عِنْدَ الرُّكُونِ لِلْخَلْق
أَلَمْ يطرقْ سمعَ قلبِكَ يا ولدي هذا التساؤلُ العَقَديُّ المهيبُ في قولهِ تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾⁽⁶⁾؟ بلى واللهِ إنهُ لكافٍ! ولكنْ، أتدري من أينَ تسلَّلَ إليكَ هذا الضياعُ النفسي؟ لقد تسلَّلَ في تلك اللحظةِ التي استغنيتَ فيها عنِ اللهِ بخلقِ الله، وركنتَ إلى الأسبابِ ونسيتَ المُسبِّب؛ وهنا تتجلَّى "سُنَّةُ التأديبِ الإلهي"، التي صاغَها الإمامُ ابنُ عطاءٍ السكندريُّ (ت: ٧٠٩ هـ) (قطب العارفين)⁽⁷⁾ في حِكَمِه؛ فبمجردِ أن يركنَ قلبُكَ لغيرِ الله، يَكِلُكَ اللهُ إلى حُسنِ صِلَتِهم، ويرفعُ عنكَ كنفَ كفايتِه، ويُخلِّي بينكَ وبينهم ليُثبتَ لكَ عجزَهم، فسلّطهم عليكَ حتى آذَوْك، فانقلبتَ من نشوةِ "الافتخارِ بهم" إلى جحيمِ "الانتحارِ النفسي"، وعشتَ في كمدِ الوحدة.
إنكَ يا ولدي تُهلكُ نفسَكَ بوهمِ أنكَ "وحيد"، بينما الحقيقةُ العَقَدِيَّةُ الصارخةُ أنكَ ما خُلِقْتَ إلّا لِـ "التوحيد"! ولو أنكَ عشتَ موحِّداً، ناظراً إلى المُسبِّبِ الأوحدِ في كلِّ ذرةٍ، لعشتَ من أسعدِ السُّعداء.
تَدْبِيرٌ احْتِرَازِيٌّ رَصِين: بَيْنَ حَقِيقَةِ التَّوَكَّلِ ووَهْمِ الجَبْرِيَّةِ وتَعْطِيلِ الأَسْبَاب
وهنا يا ولدي، لابدَّ لنا من وقفةٍ عَقَدِيَّةٍ فاصلة، نضعُ فيها الموازينَ القسطَ حتى لا تَزِلَّ قَدَمٌ بعدَ ثُبوتِها؛ فإياكَ ثم إياكَ أن تفهمَ من دعوتِنا إلى إفرادِ اللهِ بالكفايةِ، وقطعِ التعلُّقِ بالخَلق، أننا ننزلقُ بكَ إلى مستنقعِ «العقيدةِ الجبريةِ» الفاسدة، التي تزعمُ أنَّ العبدَ مجبورٌ لا إرادةَ له ولا فعل، أو أنَّ البشرَ من حولِكَ مجردُ آلاتٍ صمّاءَ لا يُعاتَبونَ على أذىً ولا يُشكرونَ على فضل! كما أُحذِّرُكَ –بأشدِّ عباراتِ التحذير– من أن تفهمَ كلامَنا على أنهُ دعوةٌ لِـ «تعطيلِ الأسباب»، فتهجرَ السعيَ، أو تتركَ التداويَ والأخذَ بقوانينِ الأرضِ بحجةِ التوكل!
إنَّ عقيدةَ أهلِ السنةِ والجماعةِ الأصفياءِ تقومُ على قاعدةٍ ذهبيةٍ متوازنة: "الجوارحُ تَعْمَلُ بالأسبابِ تعبُّداً وامتثالاً للأمرِ الإلهي، والقلبُ يَتَوَكَّلُ على رَبِّ الأسبابِ توحيداً واعتماداً".
فمَن أنكرَ الأسبابَ بالكليةِ فقد طعنَ في "الحكمةِ الإلهيةِ" التي رتبتِ المسبَّباتِ على أسبابِها، ومَن ركنَ إلى الأسبابِ واعتقدَ أنها تنفعُ وتضرُّ بذاتِها فقد وقعَ في "الشركِ الخفيِّ" وخرقَ حائطَ "التوحيد".
لذا، حين يقولُ لكَ الشيخُ: "تخلَّى عنكَ أهلُ الأرضِ فالجأْ لربِّك"، فالمعنى العَقَديُّ الدقيقُ هو: اسحبْ "الاعتمادَ القلبيَّ" من أيديهم وضعهُ في يدِ الله، مع بقائِكَ في عالمِهم تُعاملُهم بالمعروفِ، وتأخذُ بالأسبابِ الطبيةِ والنفسيةِ والاجتماعيةِ، ولكنكَ ترى الطبيبَ والدواءَ والصديقَ مجردَ "ستائرَ قدريةٍ" يُمرِّرُ اللهُ من خلالِها لُطفَه، فإذا تخلَّتِ الستائرُ، بقيَ المُمِدُّ الحقيقيُّ سُبحانَه.
عَقِيدَةُ الفَنَاءِ عَنِ الأَغْيَارِ وتَجَلِّيَاتُ الوَصْلِ الأَقْدَس
حتى إذا ما استقرتْ هذه العقيدةُ في سُوَيْدَاءِ قلبِك، وترقَّيتَ في معارجِ الفاتحةِ إلى قولِك: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾⁽³⁾؛ قَبِلَ الحقُّ منكَ ضعفَكَ البشريّ، واستوعبَكَ بلطيفِ عنايتِه، فتحدثُ المعجزةُ العَقَدِيَّةُ الكبرى: تُدَكُّ في قلبِكَ "قواعدُ الأغيار"؛ أي تتهاوى أصنامُ التعلُّقِ بالسِّـوَى، وتصلُ إلى مقامِ «الفناءِ العَقَديّ»، الذي يضبطُهُ لنا الإمامُ أبو القاسمِ القشيريُّ (ت: ٤٦٥ هـ) (أستاذ الطريقة)⁽¹⁰⁾ بأنهُ: "فناءٌ عن شهودِ ما سوى الله، لا فناءٌ للذواتِ ولا حلولٌ ولا اتحاد"، فترى المكوِّنَ وتغيبُ عنِ المكوَّنات.
عندها، يعيدُ اللهُ شملَ روحِكَ المبعثرة، وتتدفقُ في قلبِكَ أنهارُ اليقين، فتترنمُ بلسانِ التوحيدِ الخالصِ بما نظمهُ الدكتور جابر بغدادي⁽⁹⁾: "دُكَّتْ قَوَاعِدُ أَغْيَارِي فَصِرْتُ فَنَاءً ...وَأَعَادَ شَمْلِي وَرَوَتْ فِي الْوَصْلِ أَنْهَارُ، دُكَّتْ قَوَاعِدُ أَغْيَارِي فَصِرْتُ فَنَاءً ...وَأَعَادَ شَمْلِي وَوَثَّقَ الْوَصْلَ أَرْكَانُ، فَارَقْتُ نَاسِي وَكَأْسِي لَمْ يَعُدْ يَكْفِي ...وَسَكِرْتُ بِالنُّورِ تِيهًا كَيْفَ أَلْقَانِي".
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (علاجُ الضِّيقِ والاكتئابِ بأسرارِ سورةِ الفاتحةِ | الدكتور جابر بغدادي)المقالات
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقهُ الصَّلَاةِ وأسرارُ الفاتحة: المنهجُ الفقهيُّ لِعلاجِ كَمَدِ الوَحْدَةِ والضِّيق | الدكتور جابر بغدادي)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (أسرارُ التَّزْكِيَةِ ومَعَارِجُ السُّلُوكِ في سُورَةِ الفَاتِحَة: مِن كَمَدِ الوَحْدَةِ إلى أُنْسِ التَّوْحِيد | الدكتور جابر بغدادي)التزكية والتصوف
الشيخ جابر بغدادي
