Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة التزكية

مقامات الرضا وحلاوة اليقين: رحلة السالكين في التزكية والتصوف

استلهم من توجيهات فضيلة الدكتور جابر بغدادي أسرار تذوق حلاوة الإيمان والترقي في مقامات الرضا بالله رباً، لتعالج أمراض القلق واليأس وتدخل في مقام الإحسان. مقال سلوكي يجمع بين عمق التجربة الذوقية وضوابط الشريعة الغراء على منهج التصوف السني الأصيل.

اعلم يا ولدي، وفقني الله وإياك لسلوك طريق أهل الصدق، أن مسالك الحياة الدنيا لا تخلو من كدر، وأن القلوب إن لم تُحفظ في حصن التوحيد، تاهت في أودية الغفلة والشتات.
قد تجد المرء يعاني من قلق ينهش صدره، أو فجيعة بفقد عزيز لا يعرف كيف يرضى بقضائها ولا كيف يتدرع بالصبر إزاءها.
وقد يتجرع مرارة الخيانة من صديق، أو يشعر باضطهاد وظلم في هذا العالم المتلاطم.
كل هذه الآلام، يا ولدي، هي من أمراض القلوب الناتجة عن التعلق بالأسباب ونسيان المُسَبِّب جل جلاله.
وهنا، في طيات التوجيهات النبوية والتربوية التي يطرحها فضيلة الدكتور جابر بغدادي، نجد الدواء الناجع الذي يعالج جذور هذه الآفات.
يوجهنا فضيلته إلى أن نكتب هذه الكلمات النبوية الشريفة بماء الذهب على مكاتبنا وفي سويداء قلوبنا: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً»⁽¹⁾.
إن الإيمان، يا ولدي، في منهج التصوف السني المعتمد، ليس مجرد كلمات تُلوك بالألسنة، أو طقوس خالية من الروح، بل هو "ذوق" و"طعم".
وما التصوف إلا إحياء لروح هذه العبادات، وهو عين "مقام الإحسان" الوارد في حديث جبريل عليه السلام.
طعم الإيمان يتجلى في أن تثق بالله ثقة مطلقة فلا يخالجك الشك، وأن تفرح بفضله فلا يغلبك الحزن على دنيا فانية.
فمن أيقن أن رزقه على الله، لا يحزن أبدًا.
وساعة أن تتذوق حلاوة الإيمان، ويلامس هذا الذوق وجدانك، فإن أي شيء في هذا الوجود قد يخيفك، سترده عنك بيقين العارفين متدثراً بقول الحق تبارك وتعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾⁽²⁾.
هذا هو اليقين الذي يكسر شوكة الخوف، ويعالج أمراض النفس الأمارة بالسوء ليرتقي بها إلى مصاف النفس المطمئنة.

أسرار حلاوة الإيمان وتزكية القلوب

قد تتساءل يا ولدي، كما تساءل الشيخ جابر بغدادي: ما هي حلاوة الإيمان؟
إن حلاوة الإيمان هي "اليقين" الذي لا يتزعزع، وهي "الفرحة" بالقرب من الله، وهي "الشهود" الذي يجعلك ترى أفعال الله في خلقه فترد الأمور كلها إليه.
هي "الثقة" المطلقة في تدبيره، و"الاستغناء" به عما سواه، فلا تتذلل لمخلوق ولا ترائي بعملك.
حلاوة الإيمان هي عين "التوحيد"، وهي "الأُنس" بالله في الخلوات، و"الرضا" عن الله في كل حال.
هي "النور" الذي يقذفه الله في قلب السالك فيفرق به بين الحق والباطل، وهي "السعادة" الحقيقية، و"الطمأنينة"، و"السكينة" التي تتنزل على القلب الموجوع فتشفيه.
إياك يا ولدي أن تظن أن مقامات السلوك كالرضا والتسليم تعني تعطيل الأسباب أو الاستهانة بالشريعة.
بل كما يقرر سيدي الإمام الجنيد البغدادي (ت: 297 هـ، سيد الطائفة وإمام السالكين): "طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة"⁽³⁾.
فكل حقيقة لا تشهد لها الشريعة بالصحة فهي زندقة.
الرضا لا يعني ترك العمل، بل يعني ترك التسخط على قدر الله بعد بذل الجهد.
لذلك يحذرنا الشيخ من تلك التساؤلات التي تعكس مرض الاعتراض الخفي في القلب: "لماذا حصل لي هذا؟ هل لا يوجد غيري في الكون؟".
هذا اعتراض على حكمة الخبير، وعلاجه أن تعلم يقيناً أنه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾⁽⁴⁾، وأن توقن بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾⁽⁵⁾.

دولة الحب المتبادل وأحوال العارفين

إذا أردت أن تظفر بكل هذه المعاني العظيمة، وأن تعيش هذا الذوق الرفيع الذي صدح به العارفون حين قالوا: "والله إن لنا حالاً مع الله لو علموه عنا ملوك الأرض لقاتلونا عليه بالسيوف"⁽⁶⁾؛ فاقرأ وتأمل قول الله عز وجل في وصف خواص عباده: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾⁽⁷⁾.
هؤلاء هم ساداتنا الذين حققوا الإيمان ظاهراً وباطناً، فعاشوا في "دولة الحب المتبادل" بين العبد وربه.
وهذا رد كافٍ على من يرمي محبة الأولياء بالابتداع، فمحبتهم من محبة الله، وتعظيمهم هو تعظيم لمنار التقوى.

مراقي الرضا الثلاثة: خريطة طريق للسالك

يرسم لنا الدكتور جابر بغدادي معالم الطريق لتحقيق هذا الرضا، مقسماً إياها إلى ثلاث مقامات رئيسية:
الأول: الرضا عن الله رباً.
ويتحقق بأن تقنع بحكمته في المنع والعطاء، وأن تشكر له النعمة، وأن تعظمه في المنة، وأن توحده فلا تشرك به شيئاً.
وأعظم مراقي هذا الرضا أن ترضى عن أحكامه وأقداره، فلا تقل معترضاً "لِمَ؟" أو "بِمَ؟".
هكذا تقطع دابر العُجب والكبر والتسخط من قلبك.
الثاني: الرضا بالإسلام ديناً.
ويتحقق بالامتثال الصادق، بأن نبتعد عن البدع والأهواء، وأن نعمل بشرع الله ظاهراً وباطناً.
فالشريعة هي سفينة النجاة، وبدونها يغرق السالك في بحار الأوهام.
الثالث: الرضا بسيدنا رسول الله نبياً ورسولاً.
وهو مقام المحبة والاتباع، بأن تقدمه إماماً وقائداً لروحك وحياتك.
أن يكون هو قدوتك في الصبر عند البلاء، وقدوتك في الحمد عند النعماء، وقدوتك في الرحمة بالخلق، والعطاء بلا حدود.
أن يكون سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو درسك الدائم ومدرستك التي تتزكى فيها، وبذلك، وبذلك فقط يا ولدي، تذوق حلاوة الإيمان وتلج من باب الإحسان.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

الشيخ جابر بغدادي