Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة الشريعة

فقه الطاعات ومشروعية مجالس الذكر في ضوء توجيهات الدكتور جابر بغدادي

مقال فقهي تأصيلي يستنبط من درر الدكتور جابر بغدادي أحكام فقه العبادات وأسرار التكليف الشرعي، مسلطاً الضوء على مشروعية الاجتماع للذكر في بيوت الله، وفقه الصيام، وآداب الدعاء، مع الجمع المتقن بين التزام الجوارح بالأحكام الفقهية وحضور القلوب في مناجاة الخالق.

فقه التكليف: بين امتثال الجوارح وحضور القلب
كثيراً ما يتساءل المسلم الحريص على دينه: كيف أتحقق بمعية الله عز وجل وفق مراد الشرع الشريف؟ للإجابة عن هذا التساؤل الملح، نضع بين يديك يا ولدي ثلاث قواعد فقهية وروحية تُلخص لك غاية التكليف الشرعي: أولاها أن تذكر الله ذكراً يطرد الغفلة، وثانيتها أن تطيعه طاعةً تمنعك من ارتكاب المحظورات الشرعية، وثالثتها أن ترحم خلقه فلا يقسو قلبك.
فهذه الوصايا هي جوهر الفقه الإسلامي الذي يبنى على جلب المصالح ودرء المفاسد.
ولكن، لنتوقف هنا وقفة فقهية دقيقة: هل يفتقر الخالق جل جلاله إلى عبادتنا وطاعتنا ليكون معنا؟ حاشا لله، فالمقرر في علم الأصول أن التكاليف الشرعية إنما شُرعت لمصلحة المُكلف نفسه لا لحاجة المشرِّع.تأمل معي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ⁽¹⁾.
إن حبل الوريد هو سر الحياة المادية، فإذا كان هذا الحبل قريباً منك، فإن الله الذي شرع لك الأحكام هو محييك وهو أقرب إليك بعلمه.
وهنا نضع تدبيراً احترازياً بالغ الأهمية: إن الشعور بقرب الله ورحمته لا يعني أبداً التحلل من التكاليف الشرعية أو إسقاط الفرائض بدعوى الوصول، بل إن قمة الفقه هي أن ترى هذا القرب دافعاً لزيادة الطاعة والانقياد لأحكام الشريعة الغراء.
فقه النفس: الحجاب الحاجز عن إبصار الحقائق
وما دام الله قريباً منا بعلمه وإحاطته، فما الذي يحجبنا عن تذوق حلاوة الطاعة واستشعار المعية؟ الجواب الفقهي يكمن في "فقه القلوب"؛ فكما أن للجوارح أحكاماً من طهارة وصلاة، فإن للقلوب أحكاماً يجب تطهيرها من الرعونات.
يقول أهل التحقيق: "دع التلفت ترى، دع ما سوانا ترانا، لا تنشغل بالورى، واشهد مليكك لما وفّاك حين اشترى" ⁽²⁾.
يأتيني السائل مستفهماً: "يا سيدنا الشيخ، كيف أصل إلى الله؟" فأجيبه مشفقاً: يا ولدي، إن الله أقرب إليك من حبل الوريد، ولكن المعضلة تكمن في مخالفتك لأحكام الشرع باتباع الهوى.
لقد كشفت لنا سورة "ق" هذا السر؛ فلو تأملت لعلمت أن "نفسك" الأمارة بالسوء هي حجابك الأوحد.
إن الله يقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾؛ فالنفس وميلها للمخالفات هي الحجاب.
وكما أن في البدن عضلة تُسمى "الحجاب الحاجز"، فإن نفسك في ميزان الفقه هي الحجاب الحاجز بينك وبين الاستقامة.
لذا شُرعت العبادات من صلاة وصيام وزكاة لترويض هذه النفس وحملها على الجادة المستقيمة.
فقه الصيام ومشروعية مجالس الذكر الجماعي
ومن أعظم ما شرع الله لترويض النفس، فريضة الصيام.
وها هو سيدنا رسول الله يبين لنا الأحكام والفضائل المترتبة على هذا الشهر، قائلاً: «أيها الناس قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتصفد فيه الشياطين» ⁽³⁾.
إن هذا الشهر هو "محمية كونية" شرعية، تتجلى فيها الرحمات وتسهل فيها الطاعات لصفد الشياطين.
وما شكرنا لهذه النعمة إلا بتطبيق السنة المطهرة بالاجتماع على ذكر الله، مصداقاً للحديث الشريف: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة» ⁽⁴⁾.
وهنا نرد استباقياً على من ينكر مشروعية الاجتماع للذكر في بيوت الله ويدعي أنه من المحدثات؛ فالحديث صريح في فضل الاجتماع على التلاوة والمدارسة والذكر المطلق.
أتدري يا ولدي لماذا تحفنا الملائكة؟ إنها في العادة تحفنا لتبعد عنا الشياطين، أما في رمضان والشياطين مصفدة بقوة الشرع والقدر، فإننا نعيش في جنة حقيقية، نناجي الله ونذكره، تلبية للنداء الرباني: «يا باغي الخير أقبل» ⁽⁵⁾.
فهذه المجالس هي محض السنة، وهي أصل من أصول الفقه العملي في تزكية النفوس.
فقه الدعاء وأوقات الاستجابة
إن جلوسنا لذكر الله في هذه المواسم المباركة يندرج تحت فقه استباق الخيرات وتحري أوقات الإجابة، حيث أخبرنا الشارع الحكيم بأن: «ولله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة» ⁽⁶⁾.
وهذا العتق يستوجب منا تطبيق آداب الدعاء من الافتقار، ورفع اليدين، وحضور القلب.
لذا، نرفع أكف الضراعة التزاماً بسنة الدعاء قائلين: اللهم لا تخرجنا من مقامنا هذا إلا وقد جبرت الكسر، وغفرت الذنب، وسترت العيب، وأكرمتنا كرامة الدنيا والآخرة.اللهم سطر أسماءنا في ديوان المقبولين، وبلغنا بكرامة عطفك ليلة القدر.
ونسألك يا ربنا أن تجود على بلادنا بالحفظ والأمن والأمان والاستقرار، وأن تدفع عنا الخطر والشر والسحر، وأن تدفع عنا كيد كل عدو لا يؤمن بيوم الحساب.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة 5 دقائق