بقلم: الشيخ جابر بغدادي
معارج البشرى في تفسير سورة الإسراء: أسرار الفواتح وتجليات العبودية
معارج البشرى في تفسير سورة الإسراء: أسرار الفواتح وتجليات العبودية
تنوع المطالع القرآنية وتجليات الثناء الإلهي
إن لسور القرآن الكريم فواتح تعددت مشاربها وتنوعت مطالعها، فمنها ما استهلّه الحق تبارك وتعالى بالثناء والحمد، كما في سورة الفاتحة حيث يقول جل جلاله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾⁽¹⁾، وكما في سورة الإسراء حيث تجلى بقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾⁽²⁾.
ومنها ما جاء مبدوءاً بالدعاء أو بالوعد والوعيد، كقوله جل وعلا: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾⁽³⁾.
وثمة سورٌ افتُتحت بالحروف المقطعة التي تحمل أسرار الغيب المُغيبة، كقوله: ﴿كهيعص﴾⁽⁴⁾، و﴿الم﴾⁽⁵⁾، و﴿يس﴾⁽⁶⁾، و﴿ن﴾⁽⁷⁾، و﴿ق﴾⁽⁸⁾.
ومنها ما صدّره سبحانه وتعالى بصيغة الجملة الاستفهامية والتساؤل البليغ، كقوله: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾⁽⁹⁾، ومنها ما افتُتح بالقسم الإلهي العظيم، كقوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾⁽¹⁰⁾، و﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾⁽¹¹⁾.
دلالات التسبيح ومعجزات القدرة الربانية
غير أن سورة الإسراء قد اختصت ببدءٍ يتجلى فيه الثناء الإلهي؛ إذ يثني الله جل جلاله فيها على ذاته العلية.
ويا ولدي، متى رأيت الحق سبحانه وتعالى يُسبّح نفسه، فاعلم علم اليقين أنه بصدد الحديث عن معجزة كبرى تتجاوز حدود العقول ومألوف الأسباب.
لقد كانت رحلة الإسراء والمعراج انتقالاً قدسياً من مسجد إلى مسجد؛ لتعلم أن هذه الدنيا بأسرها لا حُرمة فيها ولا رفعة إلا لمواطن السجود لله رب العالمين، ولا التفات إليها بكليتها إلا لتلك البقاع الطاهرة التي يتصل فيها الخلق بالحق سبحانه.
من مسجد إلى مسجد: هندسة الوجود الروحي
لقد أسرى بحبيبه من مسجدٍ؛ لكي تتسامى الصلاة وتتعاظم مكانتها في قلوب العباد وعيونهم، وانتهى به إلى مسجدٍ؛ ليدرك الناس قاطبة أن الكون بأسره إنما هو ممتد بين مسجدين.
فكأنما لو أردنا أن نصف حدود هذا الوجود المنظور، لقلنا: إن حده الشرقي مسجد، وحده الغربي مسجد، فنحن إذاً نحيا ونمضي بين مسجدين.
كان المعبر الأول والمبتدأ هو المسجد الحرام، وكان منتهى عالم الأرض هو المسجد الأقصى.
طيُّ المسافات وكرامة العبودية في مواجهة محن الدنيا
فيا أيها المكروبون، ويا من عظّمتم شأن الدنيا في صدوركم، وعشتم أزماتها الطاحنة، وانطويتم في سراديب الحزن والاكتئاب الشديد؛ لو أدركتم أن المسجد هو محل نظر الله في كونه، لتبددت همومكم وانشرحت صدوركم.
فمن المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، طوى الله مسافات الأرض تحت تلك القدم الشريفة التي سال منها الدم الطاهر.
كأنما يقول له ربه وهو راضٍ عنه: يا حبيبي، إن سال الدم الشريف من قدمك، وإن آذوك، وضربوك، وسبوك، بل وأرادوا قتلك؛ فإن هذا العالم كله الذي تعيش فيه، تستطيع بقدرتي الباهرة متى تحققت بأسمى مقامات العبودية أن يُطوى لك في لمح البصر، بل في أقل من ذلك، حتى تعود وفراشك لم يزل محتفظاً بدفئه.
معارج المنن وسر التعلق بالصالحين عبر البرازخ
وقد أخبرنا النبي ﷺ عن مشاهداته النورانية في تلك الرحلة، فقال: «مَرَرْتُ علَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بي عِنْدَ الكَثِيبِ الأحْمَرِ، وَهو قَائِمٌ يُصَلِّي في قَبْرِهِ»⁽¹²⁾.
لقد مرّ المصطفى ﷺ على عوالم البرازخ؛ ليعلّم الناس ويفهمهم أن معارج المنن والعطايا لا تتأتى إلا بصدق التعلق بعباد الله الصالحين، وأن المواهب اللدنية، والمعارف الإلهية، والصلات الروحية، والحقائق النورانية؛ إنما تتدفق وتفيض عند المرور على مقامات أهل الصلاح والولاية.
فلم يفت النبي ﷺ، وهو المندوب والمُدعى إلى المقامات العُلى، أن يشير إلينا بإشارات جلية إلى عظيم أهمية زيارة الصالحين، سواءً أكانوا من الأحياء الباقين، أم من المنتقلين إلى رحاب رب العالمين.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (الأبعاد العقدية في سورة الإسراء وتصحيح المفاهيم: رؤية الشيخ جابر بغدادي)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه المساجد وأحكام زيارة الصالحين في سورة الإسراء: توجيهات الشيخ جابر بغدادي)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (أسرار التزكية ومعارج السلوك في سورة الإسراء: رحلة القلوب من الكثافة إلى اللطافة)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (تفريغ وتحقيق معارج البشرى في تفسير سورة الإسراء والدفاع عن منهج التصوف)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (علاج الجفاف الروحي ومشروعية التعلق بصحبة الصالحين)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (الخلاص من سجن الاكتئاب وضيق الدنيا بمقام العبودية)الأسئلة
