بقلم: الشيخ جابر بغدادي
حقيقة العبادة على حرف.. ظلمات الابتلاء وانجلاء جوهر القلوب
حقيقة العبادة على حرف.. ظلمات الابتلاء وانجلاء جوهر القلوب
ظلمات الابتلاء وانطفاء نور القلوب
كثيرةٌ هي تلك البيوت التي أظلم فيها النور، وانطفأ ضياؤها إثر فقد عزيز، فتعالت في جنباتها صرخات الجزع، وكلمات اللعن والطعن، وعدم الرضا بقضاء الله جل جلاله، حتى نفرت الملائكة وهربت من حياة ذلك الإنسان.
ويا ولدي، إن كثيراً من البيوت قد خيم عليها الشقاء حين فقد الإنسان وظيفةً، أو مُني بخسارة في شركة أو عمل، فكانت الفاجعة الكبرى والمصيبة العظمى أنه فقد علاقته بربه سبحانه، وذاك لعمري هو الخسران الأكبر.
إن الخسارة الأولى في موازين الدنيا قد تنقلب لتكون نجاحاً أكبر، وقد تغدو خسارة فادحة تورد صاحبها المهالك؛ فليس معنى أن تخسر في عمل أو تفقد رزقاً أن تخسر صلتك بخالقك، وليس معنى أن تتعثر أو تفشل في علاقة زوجية أن تفرط في حبل الله، ولا يعني أن يهدر الناس حقك ويظلموك أن تنقلب إلى مجرم ناقم وتخسر بذلك رضوان ربك!
حقيقة العبادة المشروطة
يقول الحق تبارك وتعالى في محكم التنزيل واصفاً صنفاً من الناس: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾⁽¹⁾.
وتأمل يا ولدي دقة اللفظ القرآني، إذ قال: ﴿فِتْنَةٌ﴾ ولم يقل "شراً"؛ لأن الفتنة هي الاختبار والتمحيص، وليست محض شر يعاقب به العبد.
احتراق المعادن لانجلاء الجواهر
وقد يتساءل أحدهم في لحظة ضعف، وبنبرة يملؤها الشجن: "إنني منذ أن بدأت أقيم الصلاة وأسلك طريق الهداية، والدنيا تشتد عليّ وتضيق، فهل العيب في القرآن؟" حاشا وكلا يا ولدي! بل إن الله سبحانه وتعالى يضع معدنك في نار الابتلاء ليحرقه، حتى ينجلي جوهرك الأصيل وتصفو روحك من شوائب التعلق بغيره.
ألم تقرأ قول الحق جل وعلا: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾⁽²⁾؟
وما معنى العبادة على حرف؟ إنها تعني العبادة المشروطة؛ إيمان مهزوز يقف على حافة الشك، كمن يقف على طرف الشيء، أو كمن يعبد الله على سبيل التجربة، يختبر مراد الله منه، فإن طاب له الحال استمر، وإن ساءه نكص على عقبيه.
أسباب النزول وصدق اليقين
ولقد نزلت هذه الآية الكريمة في مجموعات من القبائل التي كانت تقطن حول المدينة المنورة في ذلك العهد الزاهر؛ حيث أقبل بعضهم متخذاً الإسلام ديناً بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنهم أخذوه على شرط التجربة؛ فإيمانهم لم يكن قد رسخ في القلوب بعد.
جاؤوا يشكون حالهم، قائلين بلسان الحال والمقال: "يا رسول الله، إننا بعد أن دخلنا في هذا الدين، عَقُمت نساؤنا فلم يلدن، وخسرنا أموالنا، ووهنت صحتنا من حُمَّى المدينة، حتى خيلنا لم تنجب ولم تُثمر!"⁽³⁾
وفي سياق أسباب النزول التي رواها أئمة التفسير عن حبر الأمة وتُرجمان القرآن عبد الله بن عباس (ت: 68 هـ)، أن رجلاً من اليهود أقبل إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلن إسلامه، وما هي إلا فترة وجيزة حتى توالت عليه الابتلاءات؛ فكُفَّ بصره، ومات ولده، وخسر ماله، فعاد أدراجه إلى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم طالباً الإقالة، وقال بجهالة وغفلة: "حُلَّني من هذا الدين!" فسأله النبي صلى الله عليه وسلم مستفسراً عن السبب، فأجاب: "لأنني منذ أسلمت، كُفَّ بصري، ومات ولدي، وضاع مالي"، فأنزل الله عز وجل بياناً لحاله وحال أمثاله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ﴾.
ضريبة الوصل وسنة الابتلاء في الأنبياء
ويا ولدي، "ولا تحسبن الوصل سهلاً مناله"⁽⁴⁾؛ فإن طريق القرب محفوف بالمكاره والمحن.
تذكر أن أنبياء الله وأصفياءه قد تجرعوا كؤوس البلاء من قبلنا؛ فهذا نبي الله نوح قد ناح طويلاً في دعوة قومه، وهذا نبي الله زكريا قد شُق بالمنشار نصفين، وهذا نبي الله يحيى قد قُتل وصبر على قضاء الله!
ألم يطرق سمعك قول الحق جل وعلا وهو يُسلي نبيه والمؤمنين: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾⁽⁵⁾؟
فيا أيها المريد الصادق، إياك أن تحيد عن الدرب عند أول عثرة، واحذر أن تكون ممن قال الله فيهم ختاماً لبيان حال المتذبذبين: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾⁽⁶⁾.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (عقيدة الرضا بالقدر واليقين المطلق: قراءة في حقيقة العبادة المشروطة)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه النية وصحة العبادات: الأحكام الشرعية في الابتلاء والتحذير من العبادة المشروطة)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (مقامات الرضا وأسرار الابتلاء: دواء القلوب من داء العبادة المشروطة)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (توثيق تفريغ: آية وحكاية - حقيقة العبادة المشروطة وسنة الابتلاء)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (صدمة الابتلاء بعد الاستقامة: هل العيب في مساري وطاعتي؟)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (ظلمات الفقد والاعتراض: كيف أسترد نور الرضا بعد خسارة قاصمة؟)الأسئلة
