عقيدة التسليم والرضا بالقضاء والقدر: كيف تهاجر من هواك إلى مراد مولاك؟ – مستنبط من توجيهات د. جابر بغدادي
## صدمة التوقعات وحقيقة التدبير الإلهي في مسيرة الإنسان على هذه الأرض، كثيراً ما تتصادم إرادته القاصرة مع مراد الله النافذ؛ فتراه يسعى حثيثاً نحو غاية معينة، ليجد أن الأقدار قد ساقت إليه نتيجة مغايرة تماماً لما خطط له وتعب من أجله. قد يقدم المرء أوراقه لكلية يطمح إليها فتأتيه أخرى، أو يرجو من الله ولداً ذكراً فيُرزق بأنثى، أو يسعى في دروب الطب فتُسيره الأقدار نحو الهندسة.
هذه المواقف الحياتية المتكررة ليست مجرد مصادفات عابرة، بل هي في صميم "عقيدة الإيمان بالقدر خيره وشره". حينما تبذر بذرتك في أرض السعي وتنتظر ثمرة معينة لتخرج لك ثمرة أخرى، فلا ينبغي لقلبك المؤمن أن يجزع أو يتسخط، بل يجب أن يلتجئ فوراً إلى آيات اليقين، ويقرأ بقلب خاضع قول الحق تبارك وتعالى: ﴿أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾⁽¹⁾.
هنا تتجلى عقيدة توحيد الأفعال، حيث يعلم العبد علم اليقين أن الأسباب بيده، ولكن النتائج المحضة بيد مسبب الأسباب وحده.
## البوصلة العقدية: بين الاختيار والتسليم (تحذير من العقيدة الجبرية) إن توجيه القلب نحو التسليم لمراد الله والمتمثل في الرضا بالنتائج التي تخالف هوانا، يستوجب وقفة عقدية صارمة لضبط المفاهيم، حتى لا يقع القارئ في شراك الفهم الخاطئ الذي يميل إلى "العقيدة الجبرية". فالعقيدة الجبرية الباطلة تسلب الإنسان إرادته وتدعي أنه مسير كالريشة في مهب الريح لا اختيار له ولا كسب،
وهذا مصادم لصريح القرآن والسنة. إن منهج أهل السنة والجماعة يقرر أن للإنسان مشيئة واختياراً، وأنه مُكلّف بالسعي واتخاذ الأسباب، وهذا ما ضرب له الدكتور جابر بغدادي مثالاً عملياً في المعاملات اليومية حين أشار إلى من تُعرض عليه ورقة (رشوة أو كسب حرام) فيرفض التوقيع عليها باختياره وإرادته الحرة تقرباً لله. فأنت تختار وتعمل وتجتهد، ولكنك بعد بذل الجهد والوسع، تُسلّم قلبك للنتيجة التي يكتبها الله لك، مؤمناً بأن اختيار الله لك خير من اختيارك لنفسك. فالتسليم هنا هو تسليم الرضا بالنتائج بعد استنفاذ الأسباب الشرعية، وليس تسليم العجز والكسل قبل البدء في العمل.
## أركان الأدب مع الله في مراتب الأقدار إن استقرار عقيدة القضاء والقدر في القلب يثمر سلوكاً راقياً يسمى "الأدب مع الله". وقد لخص الدكتور جابر بغدادي هذا الأدب العظيم في قاعدة ذهبية متكاملة حين قال: "الأدب مع الله يقتضي أن تشكر النعمة، وتقنع بالحكمة، وترضى بالقسمة، وتحفظ الحرمة". هذه الكلمات المعدودات تمثل منهجاً عقدياً وسلوكياً متكاملاً:
* الشكر على النعمة: وهو اعتراف القلب بأن كل فضل هو من المُنعم جل جلاله، لا بحول العبد ولا بقوته.
* القناعة بالحكمة: وهي إيمان العبد بأن وراء كل منع أو عطاء حكمة إلهية بالغة، قد تدركها العقول القاصرة وقد تعجز عنها.
* الرضا بالقسمة: وهو سكون القلب وطمأنينته لما أجراه الله عليه من أحكام، فلا ينازع الخالق في اختياره، بل يدرك أن ما اختاره الله هو جنة الدنيا الحقيقية، وأن التسليم المطلق يقتضي ألا ننازع الله في ملكه ولا في تدبيره.
* حفظ الحرمة: بمراعاة حدود الله في السراء والضراء، فلا يطغيه الغنى، ولا يخرجه الفقر إلى التسخط والاعتراض.
## الهجرة الحقيقية: الخروج من سجن الهوى إلى رحاب المولى لقد ارتبط مفهوم الهجرة في الأذهان بالانتقال المكاني، ولكن الهجرة في بُعدها العقدي والروحي أعمق من ذلك بكثير. الهجرة الحقيقية والدائمة، كما يشير التوجيه، هي الخروج من "مراداتك" الضيقة إلى "مراد سيدك" الواسع. إنها هجرة القلب من التعلق بالأشياء والأسباب إلى التعلق برب الأرباب. عندما يُعرض عليك مكسب مادي كبير من طريق ملتوٍ (كما في مثال الشغل وتوقيع الورقة التي تدر أموالاً طائلة)، فتأبى نفسك، وتترك هذا المكسب المحرم وتضحي بهوى النفس وبالمكانة الزائفة (التي عبر عنها بـ "أنا بِه") لتقول بيقين: بل أنا بالله ولله، فهنا تتحقق الهجرة. أنت هنا تركت ما لا يرضي الله وعملت على مرضاته، وهذا هو التطبيق العملي للإيمان بأن الرزق بيد الله، وأن ما عند الله لا يُنال بمعصيته.
## العوض الإلهي: حين يكون الجزاء هو "الله" من أعجب وأرقى المعاني العقدية التي توقف عندها الشرح، هو تأمل دقيق في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يرسخ قواعد النية والإخلاص. يقول الصادق المصدوق: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله»⁽²⁾. يتساءل الدكتور جابر بغدادي بلمحة بيانية عقدية عميقة: لماذا لم يقل النبي (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فله الجنة)؟ لماذا أعاد ذكر الله ورسوله في جواب الشرط؟ السر العقدي هنا هو أن تحديد الجزاء (كالجنة مثلاً) قد يحجم من قدر العطاء الإلهي. الله سبحانه وتعالى أراد أن يخبر العبد الصادق الذي ترك هواه من أجله: "بما أنك تركت من أجلنا، فسوف نكرمك على قدرنا نحن، وليس على قدر عملك".
إن العوض الحقيقي لمن زهد في المملكة، هو أن يظفر بـ "الملك" جل جلاله. حينما يهجر العبد مراداته لله، فإنه لا يُعطى مجرد نعيم مادي، بل "يجد الله"، وإذا وجد الله وجد كل شيء. هذا العبد الصادق، سيمتلئ قلبه بنور اليقين، ويعيش حياً كريماً مطمئناً، بخلاف ذاك الذي يقتل نفسه بالتفكير في الغيب والمستقبل والقلق على الرزق. فالعبد إذا صفا قلبه لربه، وسلم القياد لخالقه، ارتقى إلى مقام لا يحزن فيه على مفقود لأنه يعلم أنه منتهٍ، ولا يفرح بموجود فرح بطر لأنه يعلم أنه أمانة، بل فرحه الدائم يكون بالله وبفضل الله. يا لسعادة من يترك هواه ليرضى مولاه، فيكون جزاؤه من جنس هجرته، جزاءً لا يحيط به وصف، ولا يحده خيال.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (مرادك ومراد الله: حين تضحي بهواك ليكون العوض هو المَلِك)المقالات
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه الرضا والتسليم: عندما يكون العوض هو الله (قراءة فقهية وعقدية في توجيهات د. جابر بغدادي))الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (أدب التسليم وحلاوة العوض: هجرة القلب من مراد النفس إلى مراد الله)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (لما تضحي بـ «هواك» عشان «رضاه».. استعد للانبهار.)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (صراع الإرادات بين مراد العبد ومراد الرب.. كيف نرضى بالقسمة وننال العوض الإلهي؟)الأسئلة
وقت القراءة 8 دقائق
