أسرار التزكية في كلمات التسبيح: رحلة الروح بين مقامات الجلال والجمال والافتقار
التزكية والتصوف: عين الشريعة وروح الإحسان يا ولدي، اعلم أرشدك الله لطاعته، أن طريق السلوك إلى الله ليس ادعاءً فارغاً ولا تحللاً من القيود، بل هو عين "مقام الإحسان" الذي أخبر عنه الحبيب المصطفى، وهو أن تعبد الله كأنك تراه.
واعلم يقيناً أن القاعدة الذهبية لأهل التصوف السني الأصيل هي ما قرره سيدي الإمام الجنيد البغدادي (ت: 297 هـ، سيد الطائفة وإمام السالكين) ⁽¹⁾ حين قال: "طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة".
فكل حقيقة باطنية لا تشهد لها الشريعة الظاهرة بالصحة فهي زندقة وضلال؛ فمقامات السلوك من زهد، وتوكل، ورضا، لا تُسقط تكليفاً، بل تحيي موات القلوب لتؤدي العبادات المفروضة بروح الافتقار والمحبة، بعيداً عن الجفاء والآلية المفرغة من الروح.
وفي خزائن المنن أسرارٌ تتجلى على ألسنة الذاكرين في مجالس الذكر الصافية، التي ينكرها بعض المحجوبين متهمين إياها بالبدعة، وما دروا أنها مجالس تتنزل فيها السكينة وتُعالج فيها أمراض القلوب الغافلة، وتُغرس فيها محبة الأولياء والصالحين التي هي قنطرة لمحبة سيد المرسلين.
أسرار الكلمات الحبيبات واستشراف "مقام الرضا" يا ولدي، إن من أعظم أمراض النفوس "الغفلة" و"الرعونة" والعمل من أجل الحظوظ والمقاصد الدنيوية أو حتى مجرد النجاة الفردية دون التفات إلى محبة المعبود.
ولعلاج هذا الداء، يوجهنا فضيلة الدكتور جابر بغدادي إلى التوقف بتأمل أمام ما جاء في الحديث الشريف المخرج في الصحيحين: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» ⁽²⁾.
انظر يا ولدي إلى لطيفة قوله "حبيبتان إلى الرحمن"؛ فهنا يترقى السالك من "النفس الأمارة" المقيدة بحب الذات، إلى "النفس المطمئنة" التي لا تطلب إلا رضا خالقها.
فاعلم يقيناً أن أهم من الجزاء ذاته والنعيم المادي، هو بلوغ "الرضا" الإلهي؛ فقد توّج الحق سبحانه وتعالى نعيم الجنة بأن أسبغ على أهلها رضوانه الأكبر، كما نصت الآية المحكمة: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ ⁽³⁾.
فاستشرافك، يا ولدي، إلى الذكر بهذه الكلمات المباركة بقصد نيل الرضا يُوجب لك محبةً خالصةً من الله، ويُطهر قلبك من داء "الرياء" و"الشرك الخفي".
تجليات الجلال والجمال والكمال: دواء الكبر واليأس ولنتأمل يا ولدي في لطائف التزكية المخبوءة في هذه الكلمات: "سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم".
لقد تذوق أهل الله أسرارها في ميادين المجاهدة ففسروها قائلين: إن قولك "سبحان الله" إشارة إلى مقام "الجلال"، وفيه تنزيه للحق يسحق في قلب المريد داء "الكبر" و"الخيلاء".
وقولك "وبحمده" إشارة إلى مقام "الجمال"، وفيه إثبات للنعم والمحامد يقتلع من القلب داء "القنوط" و"اليأس".
فهو ذكرٌ بديع يجمع بين توحيد الله من طريق الجلال ومن طريق الجمال معاً، فتستوي النفس على صراط التوازن.
فماذا عن قولك: "سبحان الله العظيم"؟ إنها إشارة إلى مقام "الكمال".
وفي هذا المقام ترتقي الروح، وتذوب حظوظ النفس وتتلاشى "الأنا" المقيتة في شهود كمال المحبوب، ليتمثل العبد حال أحد العارفين ⁽⁴⁾ حين صاغ لواعج المحبة الإلهية التي يشنع عليها المتنطعون اليوم، قائلاً في فناء إرادته: "تيّهتموني في بديع جمالكم ...فلم أدرِ في بحر الهوى أين موضعي" دائرة العجز عن الشكر: الترياق الأكبر لداء العُجب إن جملة "سبحان الله وبحمده" حقيقةٌ يقف عندها العبد السالك خاشعاً، ليناجي ربه بلسان الحال والمقال، مقراً بعبوديته المطلقة، لسان حاله يقول كما يوضح الدكتور جابر: يا رب، أنت العظيم الكبير الجليل، وأنا العبد الضعيف الصغير الذليل، فلا تؤاخذني؛ فإني لا أجد من الكلمات ما يوفيك حقك.
يا ولدي، إن هذا الانكسار هو الترياق الأكبر لداء "العُجب" (وهو رؤية العبد لعمله واستكثاره لطاعته).
إن هذه الكلمات المنيرة إنما ينطق بها العارفون حقاً وهم مستقرون في دائرة "العجز عن الشكر".
وما دمت قد وصلت مع المحبوب جل جلاله لدرجةٍ تشعر فيها أنك لا تستطيع أن تجد لفظاً يسعفك في الثناء عليه، ولا عملاً يكافئ نعمه، فاعلم أنك بذلك قد أديت حق شكره، وحققت ذروة التزكية.
وقد تجلى هذا المعنى التربوي البديع في مناجاة نبي الله داود عليه السلام، كما ورد في الأثر الثابت المعنى ⁽⁵⁾، حين وقف في مقام الافتقار والعجز التام عن إيفاء حق المنعم قائلاً: "يا رب، كيف أشكرك، وشكري لك نعمة مضافة من عندك تستوجب عليَّ بها شكراً جديداً؟"، فأوحى الله تعالى إليه بالجواب الذي يرسخ عقيدة التوحيد وتزكية القلب: "الآن شكرتني يا داود"، أو كما قيل في توجيهها: "إذا عرفت أن ذلك من عندي فقد حمدتني".
فرؤية الفضل كله لله، واستصغار النفس، هما مفتاح النجاة، وباب الولاية، وسر الطريق المنير.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (أسرار الذكر وأنوار الشكر: تجليات الجلال والجمال في تسبيح العارفين)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدة التوحيد في أسرار التسبيح: بين شهود الجلال والجمال والافتقار للمنعم)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (عقيدة التوحيد في أسرار التسبيح: بين شهود الجلال والجمال والافتقار للمنعم)الشريعة
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (التأصيل العلمي لاستنباطات العارفين: أسرار التسبيح ومقامات الجلال والجمال)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (أثقلتني النعم وعجز لساني عن الشكر: كيف أوفي الله حقه وأصل لمحبته؟)الأسئلة
وقت القراءة 6 دقائق
