Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة لكل الأسئلة
التزكيةسؤال من عبدٌ يرجو رضا مولاهالسؤال رقم 1

السؤال

أثقلتني النعم وعجز لساني عن الشكر: كيف أوفي الله حقه وأصل لمحبته؟

أنا شاب أواظب على الأذكار، ولكن كلما ذكرت الله وحمدته، شعرت في قلبي بغصة وعجز شديد.
أشعر أنني صغير جداً ومقصر، ونعم الله عليَّ توالت حتى غمرتني، ومهما رددت من عبارات الشكر أشعر أنها لا توفي قليل القليل من فضله العظيم، بل إن شُكري له يحتاج إلى شكر جديد لأنه نعمة منه! هذا الشعور بالتقصير الدائم والعجز أورثني حيرة بالغة، فكيف أصل إلى رضا الله ومحبته وأنا عاجز حتى عن إيفائه شكره بالكلمات؟

إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي

تمت المراجعة قبل النشر

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أن هذا الشعور الذي يعتلج في صدرك ليس دليلاً على الانقطاع ولا سبباً للحيرة المذمومة، بل هو عين المعرفة وبداية الترقي في مقامات اليقين.
لقد وجهنا فضيلة الدكتور جابر بغدادي، في شرحه لمعاني التسبيح، إلى أن غاية السالك لا ينبغي أن تقف عند حدود الطمع في النعيم، بل يجب أن تستشرف مقام الرضا والمحبة، مصداقاً لقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾.
فإذا كان العبد مقصده الأسمى هو رضا المحبوب جل جلاله، فإنه يبحث عن أرق وأصدق الكلمات التي تليق بهذا المقام.
وقد فتح لنا الحبيب المصطفى باباً واسعاً لهذا الرضا حين قال في الحديث المتفق عليه والذي أخرجه الإمام البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم».
يا ولدي، إن استشرافك للذكر بهذه الكلمات بنيّة طلب الرضا يُوجب لك المحبة الخالصة من الله.
ولكن كيف تداوي حيرتك وتتخلص من غصة التقصير بهذا الحديث؟ لقد غاص أهل الله في أسرار هذا الذكر وقالوا إن فيه شفاء لكل حيرة؛ فقولك "سبحان الله" هو تنزيه لله، وفيه يتجلى مقام "الجلال" الذي يورثك الهيبة والانكسار وسحق الكبريات.
وقولك "وبحمده" هو إثبات للمحامد والنعم، وفيه يتجلى مقام "الجمال" الذي يورثك الرجاء والمحبة.
فهو ذكر بديع يجمع لك بين شهود الجلال وشهود الجمال، فتستقيم روحك بين الخوف والرجاء.
ثم يأتي ختامها "سبحان الله العظيم" ليأخذك إلى مقام "الكمال" الإلهي، حيث تتلاشى حظوظ نفسك في عظمة المحبوب، فتغيب عنك رؤية عملك، وتذوب في بحار المحبة، حتى تنطق بلسان حال أحد العارفين متجرداً من حولك وقوتك: "تيّهتموني في بديع جمالكم ...فلم أدرِ في بحر الهوى أين موضعي" وأما عن غصتك وشعورك بالعجز عن إيفاء الشكر، فاعلم يا ولدي أن ما أنت فيه هو "دائرة العجز عن الشكر"، وهو أرقى مقامات العارفين.
إن كلمة "سبحان الله وبحمده" تقف بك خاشعاً لتقول بلسان الانكسار: إلهي أنت الكبير العظيم وأنا العبد الضعيف الصغير، فلا تؤاخذني بتقصيري، فإني لا أجد من الألفاظ ما يوفيك حقك.
وما دمت قد وصلت مع المحبوب لدرجة أنك لا تستطيع أن تجد لفظاً يسعفك في الثناء عليه، فاعلم يقيناً أنك بذلك قد أديت حق شكره! وليس أدل على هذا المعنى مما دار في مناجاة نبي الله داود عليه السلام، كما أخرجه الإمام أحمد بن حنبل (المتوفى سنة 241 هـ، إمام أهل السنة) في كتابه الزهد، حين ذاب في مقام الافتقار والعجز عن الوفاء قائلاً: "يا رب، كيف أشكرك، وشكري لك نعمة منك عليَّ توجب عليَّ بها شكراً؟"، فأوحى الله إليه بالجواب الشافي الذي يرفع الحرج ويثبت المنة: "الآن شكرتني يا داود"، وفي توجيه آخر للمعنى ذاته: "إذا عرفت أن ذلك من عندي فقد حمدتني".
يا ولدي، إن رؤيتك لتقصيرك وشهودك لفضل مولاك هو عين الشكر، فكلما استشعرت هذا العجز، زادك الله من فضله ورضوانه.
فاثبت على الذكر، ولا تجعل الشيطان يلبس عليك افتقارك المحمود باليأس المذموم، وامضِ في طريقك مستعيناً بالله.

هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.