Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة الشريعة
فقه وعقيدة

فقه التوكل وعقيدة العطاء: قراءة فقهية وعقدية في أسرار التحول من الضيق إلى الغنى

في هذا المقال، نستنبط المعاني العقدية والفقهية الدقيقة من تأملات الدكتور جابر بغدادي في آيات الملك، لنغوص في فقه التوكل واليقين، وعقيدة الهداية والعطاء. ونضع التدابير الاحترازية لفهم صلة العبد بربه فهماً صحيحاً يوافق أصول أهل السنة والجماعة، بعيداً عن مزالق الجبرية أو الركون إلى الأسباب.

اعلم يا ولدي، وقرّ عينك بفهم مراد الله، أن التأمل في قول الحق تبارك وتعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ﴾⁽¹⁾، يفتح لنا أبواباً عظيمة من "فقه العقيدة" و"فقه القلوب". فانظر بقلب الفقيه العارف كيف قال جل جلاله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ﴾ ولم يقل: "تؤتي من الملك". وهذا التعبير القرآني يقرر قاعدة عقدية راسخة، وهي "توحيد الأفعال" وإثبات طلاقة القدرة الإلهية، ليدلك على تمام الفيض وعظيم العطاء، وأن ملكيات الخلق كلها إنما هي على سبيل الاستخلاف لا على سبيل الأصالة. فسبحانه من إله؛ قد تبيت ليلك عاصياً غافلاً، فيتداركك بلطفه الخفي، ويوقظك في الصباح ولياً من أوليائه المجتبين. وهنا يا ولدي وجب التنبيه الفقهي والعقدي الخطير؛ فقولنا "وليس ذلك من شأنك أو من تدبيرك" هو إثبات لفضل الله المحض ومشيئته النافذة، وليس دعوة – معاذ الله – إلى "عقيدة الجبرية" الباطلة التي تسلب العبد إرادته وتجعله كالريشة في مهب الريح بلا سعي ولا نية. بل الفقه الصحيح هنا، كما قرره أئمة الهدى، أن العبد مكلف بـ "الكسب" والنية الصادقة في التوبة، غير أن "التوفيق" والتحول الحقيقي من ظلمة المعصية إلى نور الولاية هو محض فضل الله وتدبيره. فالفضل لله ابتداءً وانتهاءً، والعبد مطالب بصدق اللجوء والانكسار، حتى إذا ما تحقق بالافتقار، أمده الله بالأنوار، لئلا ينسب العبد الفضل إلى نفسه أو يغتر بطاعته. وقد ترقد يا بني مهموماً جائعاً، لا تدري من أين يأتيك الرزق، ولا كيف تُحل عقدة كروبك، فيحلها المولى بتدابير لطفية وأسرار علوية. وهذا يقودنا إلى "فقه التوكل" ومسألة "التعامل مع الأسباب". فمن الفقه الدقيق أن نعلم أن الشريعة أمرتنا بالأخذ بالأسباب بالجوارح، لكن العقيدة توجب علينا تفريغ القلوب من التعلق بها والاعتماد التام على "المسبب" جل جلاله. مصداقاً لما يذكره ساداتنا العارفون، كالإمام ابن عطاء الله السكندري (ت: ٧٠٩ هـ) (تاج الدين وركن الطريقة الشاذلية وأحد أئمة المذهب المالكي) في إشاراته، حين تسلم القياد لمن بيده الأمر، فتردد بلسان الحال والمقال: "يدبر أمري ولا علم لي، وهو حسبي ونعم الوكيل"⁽⁴⁾. فالتفويض هنا ليس تركاً للعمل، بل هو قمة اليقين بأن العمل لا يرزق بذاته، بل الرزاق هو الله. وعد يا بني إلى دقة اللفظ القرآني في قوله: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ ولم يقل "المَلِك" فحسب؛ لتعلم فقهاً وعقيدة أن هذا الكوكب بأسره، وهذا الكون الفسيح، إنما هو ملكية خالصة لله عز وجل، يحكمه بـ "قضاء وقدر" لا راد لهما. فكيف يتصرف فيه جل وعلا؟ استمع إلى قوله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ﴾، فقد عبر بالإيتاء ولم يقل "تُعطي"؛ لأن الإيتاء في الفقه اللغوي والقرآني هو عطاء رباني بغير حساب، عطاء يتجاوز عالم الأسباب المادية التي تأسركم وتحد من أفهامكم، فهو القائل: ﴿وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾⁽¹⁾. فمن ذا الذي يقدر أن يعطل خيراً هو في يد الله؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يسلبه أو يحبسه عنده؟ أنقرأ القرآن حق تلاوته أم هجرناه؟ أنذكر ربنا في الخلوات والجلوات أم نسيناه؟ إن السر العقدي في قوله ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ لا يتوقف عند مجرد العطاء المادي، فقد تملك النعمة ولكنك تعجز عن الانتفاع بها، ولذا أردفها بقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾⁽¹⁾. وفي تخصيص "الخير" بالذكر إشارة عقدية عظيمة للأدب مع الله، فالخير كله بيديه، والشر لا ينسب إليه أدباً، وإن كان الخالق لكل شيء. ومن تجليات ملكات هذه القدرة الإلهية أن قال: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾⁽²⁾، فتلك الظلمة الحالكة التي طالما استولت على الناس، حتى إن المرء ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾⁽³⁾، تتلاشى بقدرته. وهنا استنباط فقهي روحي بليغ: فكما يولج الله الليل الحسي في النهار، فإنه يولج ليل المعاصي والهموم في نهار الطاعات والفرج، ﴿وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾⁽²⁾. فإخراج الحي من الميت ليس قاصراً على النبات والحيوان، بل يمتد في فقه القلوب إلى إخراج القلب الحي بالإيمان من الجسد الميت بالغفلة. فبربك أخبرني يا ولدي، من يقدر أن يعطل رزقاً ساقه الله إليك؟ ومن يوقف هذا المفعول الرباني؟ عودوا يا ولدي إلى معرفة ربكم حق المعرفة، دراسةً لعقيدته وفهماً لصفاته، واستوثقوا يقيناً أن لهذا الكون ملكاً لا يُغلب، لا تستطيع أن تحجب عنك حتى همة الملائكة ما قدره الله ليأتيك، فضلاً عن أن تعطله الشياطين. هذا هو فقه التوكل الحق، وهذه هي عقيدة المسلم التي لا تشوبها شائبة، طمأنينة في القلب، وسعي بالجوارح، وتسليم مطلق لمالك الملك.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة 4 دقائق