Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة

عقيدة التوحيد في مقام النبوة: أسرار العبودية وتجليات الأفعال الإلهية مع الدكتور جابر بغدادي

مقال عقدي بليغ لفضيلة الدكتور جابر بغدادي، يغوص في أعماق عقيدة أهل السنة والجماعة من خلال تأملات في مقام العبودية المحمدية وتوحيد الأفعال، موضحاً الفارق الدقيق بين التوكل السني والجبرية المذمومة، وكيف تحمل قلب المصطفى ﷺ ما عجزت عنه الجبال الرواسي في حضرة الشهود.

## حقيقة العبودية ومقام الربوبية في بيعة الحبيب المصطفى تأمل يا ولدي بعين البصيرة واليقين في أسرار العقيدة الإسلامية الصافية، وكيف تتجلى عقيدة التوحيد الخالص في أبسط وأعظم المشاهد النبوية. يقول الحق تبارك وتعالى في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾⁽¹⁾.

إن معنى هذه الآية الكريمة يحمل دلالة عقدية قاطعة على أن هذه البيعة للحبيب هي بيعة مؤكدة وموصولة بالسماء؛ فمن وضع يده في يده الشريفة، فكأنما بايع الله جل جلاله بيقين لا يخالجه شك. ولكن، انتبه يا بني إلى السر العقدي الأعمق في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾⁽²⁾؛ فأين يد النبي في هذا المشهد العظيم؟ من هنا ندرك يا ولدي أصلاً من أصول العقيدة، وهو كمال مقام العبودية الخالصة لسيد الخلق . فقد نبّه المولى عز وجل في لحظة البيعة، وقبِل كفه الشريف ليكون كفاً للبيعة الإلهية، ليعلمنا يقيناً أنه "عبدٌ وأن له رب"، فهو وإن بلغ أعلى مقامات الاصطفاء، يظل عبداً لله يفتقر إليه، ولا يتخطى حدود العبودية إلى مقام الربوبية المتفرد بالخلق والأمر.

## توحيد الأفعال وسر: وما رميت إذ رميت وإذا أردت يا ولدي أن تفهم عقيدة "توحيد الأفعال" فهماً سنياً صحيحاً، فتأمل قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾⁽³⁾. أهو ده يا ولدي الحال السني حينما يتولى الحق سبحانه وتعالى عبده؛ فإذا أناب العبد إلى ربه، واحتمى بكنفه، وصدق في مقام العبودية، ناب عنه المولى وتولاه، وأظهر فيه صدق الربوبية في أبهى صورها. وقد صغت هذا المعنى الذوقي والعقدي الدقيق في عبارة لطيفة قلت فيها: "أناب بالعبودية إليه واحتمى، فناب عنه ورمى"، تجسيداً لسر التدخل الإلهي. وانظر لحالك يا ولدي، حينما تكون ضعيفاً منكسراً، ويرى الناس فيك قلة الحيلة والغلبة، وتتكالب عليك الخطوب، فهذا يريد إيذاءك، وذاك يبغي ظلمك؛ ولكنك مع الله، معتصم بحبله. حينها تتجلى في حقك أنوار: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾⁽³⁾.

ولكن احذر يا ولدي، والتفت إليّ جيداً؛ إياك أن تزل قدمك فتفهم من هذا المعنى الجليل ما ذهبت إليه الفِرق الضالة كالجبرية، الذين سلبوا العبد إرادته بالكلية وزعموا أنه كالريشة في مهب الريح لا فعل له ولا اختيار. كلا يا ولدي، فعقيدة أهل السنة والجماعة تثبت للعبد المشيئة والاختيار وتنسب إليه الفعل على سبيل "الكسب"، بينما تنسبه إلى الله على سبيل "الخلق والإيجاد"⁽⁴⁾.

فقوله تعالى: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ أثبتت للعبد كسبه وفعله الظاهر، وقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ أثبتت أن التأثير الحقيقي والفاعل المطلق هو الله جل جلاله. فلا تكن جبرياً تسلب نفسك المسؤولية، ولا قدرياً تنكر خلق الله لأفعالك، بل كن سنياً محمدياً ترى الأسباب وتعتمد على رب الأرباب. ## عقيدة النبوة: قلب المصطفى وتجليات الوحي القدسي هلمّ بنا يا ولدي لنتعمق في عقيدة "النبوة والرسالة"، ولنعقد مقارنة ربانية بين قلب المصطفى وبين الجبال الرواسي. لقد وجدنا يقيناً في ميزان العقيدة أن قلبه الشريف أقوى تمكيناً، وأشد رسوخاً من الجبال العاليات. يقول المولى جل جلاله مبيناً ثقل كلامه القديم: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾⁽⁵⁾.

فالجبل الأصم، بكل قسوته وصلابته، ما يتحملناش، ولم يقو على حمل هذا السر العظيم وثقل التجلي الإلهي. ولكن حينما نضع الأمر في ميزان الاصطفاء الرباني، نجد أن هذا الوحي العظيم قد نزل به الروح الأمين على قلب النبي المصطفى، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ﴾⁽⁶⁾. وهذا يدل دلالة قاطعة على عصمة وقوة الباطن النبوي، وأن الله هيأ هذا القلب الطاهر ووسعه ليتحمل تجليات الصفات الإلهية التي لو نزلت على الجوامد لدكتها دكاً.

## كمال العصمة المحمدية في حضرة الشهود ثم تأمل يا ولدي كمال العقيدة في "عصمة الأنبياء" في أعلى تجلياتها، وذلك في قوله تعالى واصفاً حال الحبيب في المعراج: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾⁽⁷⁾. ذلك البصر الشريف الذي لم يطغَ ولم يلتفت في رؤية الأغيار، بل ظل مكتحلاً بكمال شهود بدرية الأنوار في عالم ما بعد سدرة المنتهى، حيث مقام محو الأنوار والأسرار القدسية. فهذه العين المحمدية الطاهرة، التي كُحلت بشهود أنوار الله عز وجل، وبلغت ذروة اليقين الذي هو غاية العقيدة، هي ذاتها التي تلقت من ربها الأمر الإلهي الحاني والوصية العظيمة: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾⁽⁸⁾. ليبقى موصولاً بالحق في أعلى مقامات الشهود، وناظراً بعين الرحمة والتربية إلى الخلق، متمماً بذلك رسالته، ومجسداً للعقيدة السليمة التي تجمع بين كمال التعلق بالخالق، وكمال الرحمة بالمخلوق.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.