عقيدة التوكل وطلاقة القدرة الإلهية: أسرار التحول من الضيق إلى الغنى
تأمل يا ولدي بعين البصيرة وقلب الموحد في قول الحق تبارك وتعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ﴾⁽¹⁾، فهذه الآية العظيمة أصل من أصول عقيدة التوحيد. انظر كيف قال جل جلاله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ﴾ ولم يقل: ""تؤتي من الملك""، ليدلك دلالة عقدية قاطعة على تمام الفيض وعظيم العطاء، وأن الملك كله لله وحده لا شريك له، يعطيه بغير حساب ولا ينقص من خزائنه شيء. فسبحانه من إله عظيم؛ يقرر في هذه الآية طلاقة قدرته ونفاذ مشيئته؛ فقد تبيت ليلك عاصياً غافلاً، قد أثقلتك الذنوب، فيتداركك بلطفه الخفي، ويوقظك في الصباح ولياً من أوليائه المجتبين. وهنا يا ولدي وجب التنبيه العقدي الدقيق؛ فحين نقول ""وليس ذلك من شأنك أو من تدبيرك""، فإننا نرسخ عقيدة ""توحيد الأفعال"" ونثبت الفضل المحض لله تعالى، ولا ندعو أبداً إلى عقيدة ""الجبرية"" الباطلة التي تسلب العبد إرادته وتنفيه عن دائرة التكليف. فالمسلم مأمور بـ الكسب والنية الصادقة والسعي في التوبة، غير أن التحول الحقيقي وبلوغ مقامات الولاية هو محض فضل من الله وتوفيق منه سبحانه، لئلا ينسب العبد الفضل إلى طاعته فيغتر، بل ينسبه إلى مولاه فيفتقر. وقد ترقد يا بني مهموماً جائعاً، لا تدري من أين يأتيك الرزق، ولا كيف تُحل عقدة كروبك، فيحلها المولى بتدابير لطفية وأسرار علوية. وهذا هو جوهر ""عقيدة التوكل"" الصحيحة التي سار عليها ساداتنا العارفون، كالإمام تاج الدين بن عطاء الله السكندري (ت: ٧٠٩ هـ) (ركن الطريقة الشاذلية وأحد أئمة المذهب المالكي)⁽²⁾ في إشاراته، حين تسلم القياد لمن بيده الأمر، فتردد بلسان الحال والمقال: ""يدبر أمري ولا علم لي، وهو حسبي ونعم الوكيل""⁽³⁾. وهنا لزام علينا أن نحترز من الفهم الخاطئ الذي يميل بصاحبه إلى ""التواكل"" المذموم وترك الأخذ بالأسباب؛ فعقيدة أهل السنة والجماعة توجب على العبد أن يأخذ بالأسباب بجوارحه، وأن يفرغ قلبه من الاعتماد عليها، ليكون اعتماده الكلي على المسبب جل جلاله، مصداقاً لما ورد في الحديث الشريف: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً»⁽⁴⁾. وعد يا بني إلى دقة اللفظ القرآني في قوله: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ ولم يقل ""المَلِك"" فحسب؛ لتعلم وتقر في عقيدتك أن هذا الكوكب بأسره، وهذا الكون الفسيح، إنما هو ملكية خالصة لله عز وجل. فكيف يتصرف فيه جل وعلا؟ استمع إلى قوله: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ﴾، فقد عبر بالإيتاء ولم يقل ""تُعطي""؛ لأن الإيتاء عطاء رباني بغير حساب، عطاء يتجاوز عالم الأسباب المادية الخانقة التي تأسركم وتوهمكم بأنها هي الفاعلة استقلالاً، وهذا وهم عقدي خطير، فهو القائل: ﴿وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾⁽¹⁾. فمن ذا الذي يقدر أن يعطل خيراً هو في يد الله؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يسلبه أو يحبسه عنده؟ أنقرأ القرآن حق تلاوته ونتشرب عقائده أم هجرناه؟ أنذكر ربنا في الخلوات والجلوات أم نسيناه؟ إن السر العقدي الجليل في قوله ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ لا يتوقف عند مجرد العطاء، فقد تملك النعمة ولكنك تعجز عن الانتفاع بها إن لم يصحبها توفيقه، ولذا أردفها بقوله ليثبت كمال القدرة: ﴿إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾⁽¹⁾. ومن تجليات ملكات هذه القدرة الإلهية أن قال: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾⁽⁵⁾، فتلك الظلمة الحالكة التي طالما استولت على الناس، حتى إن المرء ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾⁽⁶⁾، تتلاشى بقدرته، فيولج الليل في النهار بسر من أسرار الحياة والتدبير الكوني، ﴿وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾⁽⁵⁾. فبربك أخبرني، بعد أن استقر في قلبك أن الله هو الفاعل المختار، من يقدر أن يعطل رزقاً ساقه الله إليك؟ ومن يوقف هذا المفعول الرباني؟ عودوا يا ولدي إلى معرفة ربكم حق المعرفة، واستوثقوا يقيناً عقدياً جازماً أن لهذا الكون ملكاً لا يُغلب، ولا راد لقضائه. إن رسخت هذه العقيدة في قلبك، علمت أنه لا تستطيع أن تحجب عنك حتى همة الملائكة ما قدره الله ليأتيك، فضلاً عن أن تعطله الشياطين أو مكائد البشر.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (سر التحول من الضيق إلى الغنى: أسرار العطاء الإلهي في آية الملك)المقالات
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه التوكل وعقيدة العطاء: قراءة فقهية وعقدية في أسرار التحول من الضيق إلى الغنى)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (مقامات التوكل واليقين: أسرار التزكية في آيات الملك والقدرة)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (سر التحول من الضيق إلى الغنى)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه ("يا سيدي، لقد أثقلتني الهموم وأحاطت بي الكروب من كل جانب. أبيت ليلي عاصياً ومهموماً، أنظر إلى ضيق رزقي وانغلاق الأبواب المادية في وجهي فلا أرى مخرجاً ولا حلاً. لقد سيطرت على قلبي الأسباب الدنيوية حتى كدت أفقد الأمل؛ فكيف يتبدل حالي وتُحل عقدتي بينما الأسباب كلها مقطوعة؟ وهل يمكن لقلب غارق في ظلمات المعصية وعقل مشغول بتدبير المعاش أن يشرق بنور الهداية والغنى فجأة وبلا مقدمات؟ أرشدني بالله عليك فقد ضاق بي الحال.")الأسئلة
وقت القراءة 4 دقائق
