Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة

عقيدة عمارة الأرض وتصحيح مفهوم الزهد: قراءة في كمالات النبوة

مقال عقدي روحي لفضيلة الشيخ جابر بغدادي، يصحح فيه المفاهيم حول عقيدة الزهد ورعاية الأنبياء للغنم، موضحاً الفارق بين عبودية الكمال النبوي والافتقار المذموم، مع التوجيه لعقيدة التوكل الصحيح والأخذ بالأسباب في عمارة الأرض دون الركون إليها.

عقيدة الاستخلاف وفهم مراد الله من الأسباب

حينما ينطق الحبيب المصطفى بالحق المبين قائلاً: «ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم»⁽¹⁾، فإنه يضع لنا أساساً عقدياً راسخاً في كيفية بناء الأجيال والشباب.
يا ولدي، إن النظرة العقدية السليمة لهذا الحديث توجب علينا أن نفهم مراد الله في الأرض، وهو "عمارة الكون" والاستخلاف فيه.
فالغاية التي يرمي إليها هذا التوجيه النبوي هي استنهاض الهمم؛ فأنا أريد أن أراك طبيباً حاذقاً، ووزيراً نافعاً، وعامراً لهذه الأرض.
وهنا يجب التنبيه العقدي الحازم: إن سعينا في عمارة الأرض وأخذنا بأسباب النجاح لا يعني بحال من الأحوال أن ننسب الفضل لأنفسنا أو أن نعتقد أن الأسباب تستقل بالتأثير؛ فالله جل جلاله هو الخالق للسبب والمسبب، ولكن من تمام العبودية أن نأخذ بالأسباب طاعةً للأمر، ونتوكل على مُسببها إيماناً وتوحيداً، حذراً من الوقوع في عقيدة الجبرية التي تعطل الأسباب، أو عقيدة القدرية التي تنسب الخلق والاستقلال للعبد.

كمال الأنبياء وحكمة التدبير الإلهي

ولعل سائلاً يتساءل: إذا كان المراد هو عمارة الأرض وبلوغ المراتب العالية، فما الحكمة العقدية في أن يرعى الأنبياء الغنم؟ الجواب يا ولدي يكمن في فهم "عصمة وكمال الأنبياء".
إن رعي الغنم في حق الأنبياء، عليهم صلوات الله وسلامه، ليس نقصاً ولا ركوناً إلى الدون، بل هو "حكم الله" النافذ عليهم ليزداد كمالهم كمالاً.
فهو في حقهم "عبودية الكمال"، حيث يدربهم الخالق سبحانه على سياسة القلوب ورعاية الأمم بالصبر والحلم.
أما في حقنا نحن، فلا يجوز أن نتخذ من هذا الفعل النبوي ذريعة للفاقة والفقر والافتقار والتكاسل عن طلب المعالي.

التوكل الصحيح وميراث مفاتيح الأرض

فلا يصح أبداً، يا ولدي، أن أحثك على المذاكرة والجد لتصبح أستاذاً في الجامعة، فترد محتجاً بجهل عقدي وتقول: "يا أبي، إن النبي ﷺ كان راعي غنم!".
كلا يا بني، احذر من هذا الفهم القاصر الذي يقدح في فهمك للشمائل.
إن النبي رعى الغنم عبودية خالصة لله تعالى وامتثالاً لأمره، ولكنه انتقل إلى الرفيق الأعلى وهو يملك الدنيا بأسرها.
ألم يقل الصادق المصدوق في الحديث الصحيح: «أوتيت مفاتيح خزائن الأرض»⁽²⁾؟ وهذا يحمل دلالة عقدية عظمى؛ فامتلاك الدنيا وعمارة الأرض حتى صار خليفة ظاهراً وباطناً عليها، هو التطبيق الأتم لعقيدة التوكل، حيث الدنيا في اليد والخزائن مفتوحة، ولكن القلب معلق برب الخزائن وحده.

النبوة ومقامات التمكين في الأرض

ولتتأمل يا ولدي في كتاب الله وسير أنبيائه لتدرك أن النبوة والرسالة لا تتنافى مع التمكين الدنيوي إذا كان خالصاً لله.
فمن أنبياء الله من كان وزيراً، ومنهم من كان ملكاً، ومنهم من كان أميراً يقود العباد.
وانظر إلى نبي الله يوسف عليه السلام، فقد تجلت نبوته وعقيدته الراسخة في حفظ سلة الغذاء للعالم أجمع طيلة خمسة عشر عاماً، حين قال مستعيناً بالله: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾⁽³⁾.
إن هذا التمكين هو تجلٍّ لأسماء الله الحسنى في أرضه عبر أوليائه وأنبيائه.

تصحيح مفهوم الزهد حماية للعقيدة

لذا، وحتى لا نقرأ الشمائل المحمدية التي جمعها الإمام الترمذي (ت: ٢٧٩ هـ)⁽⁴⁾ قراءة خاطئة، وحتى لا نُفَهِّم شبابنا عن النبي ما لا يتفق مع كماله المطلق؛ يجب أن نُصحح عقيدة الزهد في القلوب.
ليس معنى أنه رعى الغنم أنه رضي بالدون أو استكان للهوان.
إن الزهد لا يقتضي أبداً أن أكون فاشلاً في حياتي، بل الزهد العقدي الصحيح هو أن تنجح وتتفوق وتعمر الأرض، وتكون أغنى الناس وأكثرهم نفعاً، ثم تفرغ قلبك من التعلق بكل هذا فلا ترى فاعلاً ولا معطياً ولا مانعاً إلا الله جل جلاله.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.