فقه الأخذ بالأسباب وعمارة الأرض: قراءة تشريعية في كمالات الشمائل النبوية
فقه الأسباب وتأصيل تشريع عمارة الأرض
حينما يصدح الحبيب المصطفى ﷺ ببيانه المشرق قائلاً: «ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم»⁽¹⁾، فإنه يضع لنا أصلاً من أصول التشريع الإسلامي في فقه بناء الأجيال وتنشئة الشباب.
يا ولدي، إن النظرة الفقهية السليمة لهذا التوجيه النبوي توجب علينا أن ندرك المقصد الشرعي من وراء ذلك، ألا وهو السعي الحثيث نحو "عمارة الأرض".
فالشريعة الغراء تندب بل وتوجب على سبيل الكفاية أن يكون في الأمة الطبيب الحاذق، والوزير المدبر، والعالم النافع.
وهنا يجب التنبيه الفقهي الحازم: إن أمرنا بالأخذ بالأسباب والتفوق الدنيوي هو امتثال للتكليف الشرعي بعمارة الكون، ولا يعني بحال من الأحوال الركون إلى الأسباب ذاتها أو الاعتقاد بتأثيرها المستقل؛ فالفقه الصحيح يقتضي أن تأخذ بالأسباب بجوارحك طاعةً لله، وتتوكل عليه بقلبك إيماناً، حذراً من الفهم السقيم الذي يتخذ من الزهد ستاراً لترك الواجبات الشرعية الدنيوية التي بها قوام الأمة.
فقه الخصوصيات النبوية وعبودية الكمال
ولعل سائلاً يتساءل بعين الفقه: إذا كان المقصد الشرعي هو تبوّء المناصب وعمارة الأرض، فما التوجيه الفقهي لرعي الأنبياء للغنم؟ الجواب يا ولدي يكمن في إدراك ما يُعرف في الفقه الإسلامي بـ "خصائص الأنبياء".
إن رعي الغنم في حق الأنبياء، عليهم صلوات الله وسلامه، هو حكم الله النافذ عليهم ليزداد كمالهم كمالاً، فهو في حقهم "عبودية الكمال" وتدريب تشريعي رباني على سياسة الرعية بالرفق والصبر.
أما في حقنا نحن، فلا يصح فقهياً أن نقيس أنفسنا على هذا الفعل لنجعله مبرراً للفاقة، والفقر، والافتقار، والقعود عن طلب المعالي.
تنزيل النصوص في مناطها وفقه التوكل
فلا يسوغ شرعاً يا ولدي، ولا يستقيم في فقه الفهوم، أن أحثك على مكابدة العلم والمدارسة لتغدو أستاذاً مرموقاً في مجامع العلم، فتأتيني محتجاً بظاهر النص وتقول: "يا أبتاه، أليس النبي ﷺ قد رعى الغنم؟".
كلا يا بني، احذر من هذا التنزيل الخاطئ للنصوص الشريفة في غير مناطها.
إن النبي ﷺ رعى الغنم عبودية خالصة لله تعالى، ولكنه انتقل إلى الرفيق الأعلى وقد ملك الدنيا بأسرها.
ألم تسمعه ﷺ وهو يقرر هذا الأصل التشريعي في امتلاك مقاليد الأمور قائلاً: «أوتيت مفاتيح خزائن الأرض»⁽²⁾؟ إن هذا البيان النبوي يشرعن للأمة السعي لامتلاك أسباب القوة، فمعناه الفقهي أنه ﷺ قد عمر الأرض حتى صار خليفة الله، ظاهراً وباطناً عليها، يدير شؤونها بحكم الشريعة وميزان العدل.
السياسة الشرعية ومقامات الأنبياء في تدبير الدول
ولتتأمل يا ولدي في كتاب الله لتدرك سعة الفقه الإسلامي ومقامات الأنبياء في باب السياسة الشرعية.
فمن أنبياء الله من تقلد منصب الوزارة، ومنهم من كان ملكاً يحكم بالعدل، ومنهم من كان أميراً يقود الجيوش.
وانظر بعين البصيرة إلى فقه نبي الله يوسف عليه السلام، فقد تجلت نبوته في تحمل مسؤولية الولاية العامة، حيث حفظ سلة الغذاء للعالم أجمع طيلة خمسة عشر عاماً، متقلداً خزائن الأرض لإنقاذ العباد من الهلاك الماحق، عملاً بقوله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾⁽³⁾.
إن هذا يُعد تأصيلاً فقهياً عظيماً لجواز طلب الولاية إذا كان المرء أهلاً لها وقصد بها وجه الله ونفع العباد.
الفقه الصحيح للشمائل وتحرير مفهوم الزهد
لذا، وحتى لا نقرأ أحاديث الشمائل المحمدية للإمام الترمذي (ت: ٢٧٩ هـ)⁽⁴⁾ قراءة مختلة الأحكام، وحتى لا نُفَهِّم شبابنا عن مقامه ﷺ ما يتنافى مع كماله المطلق؛ يجب أن نُحرر المفهوم الفقهي الدقيق للزهد.
ليس معنى أنه ﷺ رعى الغنم أنه رضي بالدون أو استكان للهوان والضعة.
إن الفقه الإسلامي يرفض قطعاً أن يقتضي الزهد فشل المسلم في حياته العلمية أو العملية.
بل الزهد الشرعي هو أن تنجح وتتفوق وتتسنم ذرى المجد، وتملك الدنيا في يدك لتنفقها في سبيل الله، غير جاعل لها مستقراً في قلبك، فهذا هو عين التكليف التشريعي وعمارة الأرض التي ارتضاها الله لعباده المتقين.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (الطموح في ميزان الزهد: قراءة صوفية في الشمائل المحمدية وعمارة الأرض)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدة عمارة الأرض وتصحيح مفهوم الزهد: قراءة في كمالات النبوة)العقيدة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (مقامات الزهد ومجاهدة النفس: أسرار "عبودية الكمال" وعمارة الأرض في التصوف السني)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (التأصيل العلمي لمفهوم الزهد و«عبودية الكمال» وعمارة الأرض)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (تعارض الطموح الدنيوي مع الزهد النبوي: هل طلب المعالي يتنافى مع طريق التزكية؟)الأسئلة
