Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة لكل الأسئلة
التزكيةسؤال من أحد المحبين

السؤال

تعارض الطموح الدنيوي مع الزهد النبوي: هل طلب المعالي يتنافى مع طريق التزكية؟

أنا شاب في مقتبل العمر، يطالبني أهلي دائماً بالاجتهاد والمذاكرة لأصبح طبيباً أو أستاذاً جامعياً، لكني عندما أقرأ في الشمائل المحمدية أجد أن النبي كان راعياً للغنم، وأشعر في قلبي بحيرة شديدة؛ فهل طلب الدنيا، والنجاح فيها، والسعي للمناصب يتنافى مع الزهد والتأسي بالأنبياء؟ وهل طموحي الدنيوي وعمارة الأرض يقدح في طريقي إلى الله ويخالف كمال الدين؟

إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي

تمت المراجعة قبل النشر

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أن هذا التساؤل الذي يعتلج في صدرك هو من المزالق الدقيقة التي يقع فيها بعض السالكين، وهو فهم قاصر يجب أن يُصحح بنور الشريعة والحقيقة معاً.
إن النبي حينما أرسى هذه القاعدة في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام البخاري (المتوفى سنة ٢٥٦ هـ، أمير المؤمنين في الحديث): «ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم»، لم يكن يشرعن للكسل، ولا يدعو أمته للبطالة أو الرضا بالدون، بل كان يريد أن يعلمنا دروساً عميقة ونحن نبني أجيالاً وشباباً.
فأنا أريدك يا ولدي أن تكون طبيباً ماهراً، وأريدك أن تكون وزيراً نافعاً، وأريدك أن تعمر الأرض وترفع شأن أمتك.
إن رعي الغنم في حق الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، إنما هو حكم الله النافذ عليهم ليزداد كمالهم كمالاً، فهو في حقهم "عبودية الكمال"؛ ليتدربوا على سياسة القلوب ورعاية الأمم بصبر وحلم.
أما في حقنا نحن، فلا يجوز شرعاً ولا عقلاً أن نتخذ من هذا الفعل النبوي حجة للفاقة، والفقر، والافتقار، وتبريراً للضعف.
فلا يصح أبداً يا ولدي أن أحثك كأب أو مربٍ قائلاً: "يا بني، ذاكر واجتهد لتصبح أستاذاً في الجامعة"، فترد محتجاً بظاهر النص: "يا أبي، إن النبي كان راعي غنم!".
لا يا حبيبي، إن النبي رعى الغنم عبودية خالصة لله وتواضعاً لجلاله، ولكنه انتقل إلى الرفيق الأعلى وهو يملك مقاليد الدنيا بأسرها.
ألم تقرأ يا ولدي قوله في الحديث المتفق عليه: «أوتيت مفاتيح خزائن الأرض»؟ إن هذا العطاء المحمدي والسر الإلهي معناه الحقيقي أن النبي قد عمر الأرض، حتى صار خليفة لله ظاهراً وباطناً عليها.
ولنا في سير الأنبياء الكرام أسوة حسنة تؤكد هذا المنهج؛ فمن أنبياء الله من كان وزيراً، ومنهم من كان ملكاً، ومنهم من كان أميراً يقود العباد.
وتأمل بقلبك سيدي نبي الله يوسف عليه السلام، فقد كانت نبوته وتزكيته تتجلى في حفظ سلة الغذاء في العالم طيلة خمسة عشر عاماً، متقلداً شؤون الخزائن لإنقاذ العباد وعمارة الكون.
لذا يا ولدي، إياك أن تقرأ كتب السيرة والشمائل، ككتاب الشمائل المحمدية للإمام أبي عيسى الترمذي (المتوفى سنة ٢٧٩ هـ، الحافظ الحجة وأحد أئمة الإسلام)، قراءة خاطئة، فتعي أنت وشباب جيلك عن النبي ما لا يتفق أبداً مع كماله المطلق وجلال قدره.
ليس معنى أنه رعى الغنم أنه رضي بالهوان والضعة، وليس من الزهد أبداً أن تكون فاشلاً أو ألا تنجح في حياتك.
الزهد الحقيقي في مقام الإحسان هو أن تملك الدنيا، وتتفوق في دراستك، وتعمر الأرض، وتكون مفاتيح الخزائن في يدك، ولكن قلبك فارغٌ منها، عامرٌ بمحبة الله ورسوله، تسخر كل نجاح دنيوي لخدمة دينك ونفع عباد الله.

هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.