العقيدة المحمدية الأزلية: أسرار عصمة النبي ونوره في سورة الضحى | الدكتور جابر بغدادي
تنزيه مقام النبوة: تحقيق لغوي وعقدي في مفهوم "الضلال"
اعلم يا ولدي، وفقك الله لفهم حقائق التوحيد، أن من أوجب ما يعتقده المسلم في جناب الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، هو اعتقاد "العصمة المطلقة"؛ فهم منزهون في عقولهم، وقلوبهم، وأرواحهم عن الشرك، والكفر، والجهالة، قبل البعثة وبعدها على حد سواء.
وتلك هي عقيدة أهل السنة والجماعة التي لا يجوز لمؤمنٍ أن يحيد عنها قيد أنملة.
ومن هنا، تبرز تلك الشبهة العقدية التي يثيرها بعض من قصرت أفهامهم عن إدراك لغة العرب وأسرار الكتاب العزيز، عند قوله تعالى في سورة الضحى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾⁽¹⁾.
فإياك ثم إياك يا ولدي أن يذهب بك الظن، أو تزل قدمك فتعتقد أن "الضلال" المنسوب هنا لسيد الخلق ﷺ هو ضلال التيه، أو الغواية، أو البعد عن التوحيد! حاشا وكلا؛ فإن أفق النبوة أطهر من أن يمسه دنس الجاهلية.
ولكي ينجلي لك السر العقدي، انظر إلى نبي الله سيدنا يعقوب عليه السلام، لما استغرق في حب ولده يوسف، وغاب عن رؤية ما سواه، قال له قومه: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾⁽²⁾.
فهل كان يعقوب عليه السلام كافراً أو منحرفاً عن العقيدة؟ معاذ الله! بل المعنى الذي قرره أئمة التحقيق كالإمام القرطبي (ت: 671 هـ) (شمس أئمة التفسير)⁽³⁾، هو "ضلال المحبة والتوله"؛ أي فرط التعلق.
وعليه، فمعنى الآية في حق نبينا ﷺ عقائدياً: وجدك متولهاً، شديد الحب لله، غارقاً في طلب الحقيقة، قد تركت الكُلَّ لأجل الله، فلم تعد تطلب ولا تعشق في الدارين غير الله؛ فهداك الله إلى أقصى غايات الوصول إليه.
عصمة الفطرة النبوية: النور المحض في ميزان القرآن
ولكي يطمئن قلبك يا ولدي إلى أصالة هذه العصمة في تكوينه الشريف ﷺ، اقرأ نصاً عقدياً قاطعاً في سورة النجم، حيث يقول الحق سبحانه: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾⁽⁴⁾.
فهذا نفيٌ إلهيٌّ مطلقٌ لضلال التعامي عن الحق؛ وهو الدليل الأبرز الذي ساقه الأئمة الأعلام كالإمام القاضي عياض (ت: 544 هـ) (إمام المغرب وتاج المحدثين)⁽⁵⁾، لإثبات أن العقل المحمدي والقلب المحمدي لم تسبق أنوارهما ظلمةٌ قط، ولم يسبق علمه اللدنيَّ جهالةٌ أبداً؛ فهو كمالٌ مطلقٌ منذ خُلِق.
وتأمل يا ولدي كيف يبرز القرآن هذا الفارق العقدي الدقيق بين "النور المحض" وبين "النور الذي سبقتْه ظلمة".
فعندما تحدث القرآن عن الصدّيق، سيدنا أبو بكر الصديق (ت: 13 هـ) (الخليفة الراشد الأول وأفضل الأمة بعد نبيها)⁽⁶⁾، في سورة الليل، قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾⁽⁷⁾؛ فَقَدَّمَ الليل (الظلام) على النهار (النور)، لأن أبا بكرٍ رضي الله عنه قد سبق إسلامَه كفرٌ وجاهلية.
أما عندما أقسم الله تعالى لحبيبه المصطفى ﷺ في سورة الضحى، قال: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾⁽⁸⁾؛ فَقَدَّمَ "الضحى"، وهو رمز النور المحمدي الساطع، ثم ذكر بعده "الليل"، وهو الظلام الذي حلَّ على الكون فأزاحه هذا النور! والسر العقدي في ذلك: أن سيدنا رسول الله ﷺ نورٌ لم تسبقه ظلمة، وكمالٌ لم يسبقه نقص.
الحقيقة المحمدية والسبق النوري في عالم الذر
ومن أصول العقيدة العميقة التي يغفل عنها العوام، وتخبط فيها بعض المتشددين، مسألة "السبق النوري والروحي" للنبي ﷺ في عالم الغيب قبل خلق الأجساد.
وقد صدع نبينا ﷺ بهذه الحقيقة العقدية في الحديث الصحيح: «كُنْتُ نَبِيًّا وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ»⁽⁹⁾.
ويشرح لنا أئمة السلف كالإمام القسطلاني (ت: 923 هـ) (إمام المحدثين وصاحب المواهب اللدنية)⁽¹⁰⁾، مراتب تجلي هذه الحقيقة في خطة الإيجاد الإلهية؛ فقد كان الحبيب ﷺ في الأزل "أحمدَ"، وعند الميلاد في عالم الشهادة صار "محمداً"، وبعد التبليغ والإرشاد صار في الآخرة "محموداً".
فهو "أحمدُ الأزل"، المجتبى قبل أن تكون هناك عبادةٌ أو علة عمل، وقبل أن تُسطَّر الكتب وتُزخرف الزخارف؛ كان ﷺ أول من لبّى نداء التوحيد في حضرة "ألست بربكم"، شاهداً لله بالوحدانية المطلقة، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾⁽¹¹⁾.
تدبير احترازي عقدي: صيانة التوحيد بين "العبد المكمَّل" و"الرب المنزَّه"
وهنا يا ولدي، لابد لنا من وقفة عقدية صارمة، نتخذ فيها التدابير الاحترازية الواجبة، كي لا تزل قدمٌ بعد ثبوتها، وكي لا يختلط على العقل مقام "الخالقية" بمقام "المخلوقية".
إياك ثم إياك أن يفهم عقلك من قولنا "النور المحمدي الأزلي" أو "السبق الروحي"، شيئاً من عقائد الحلول، أو الاتحاد، أو التجسد الإلهي التي ضلت بها الأمم من قبلنا! فحقيقة سيدنا رسول الله ﷺ، مهما بلغت في ذرى الكمال والسبق، هي حقيقة "مخلوقة حادثة"، أوجدها الله تعالى من عدم.
فهو ﷺ "عبد الله ورسوله"، ومقامه الأسمى الذي شرفه الله به في الإسراء هو مقام العبودية: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾.
فعندما نقول "كان أحمد في الأزل"، فالمقصود به "أزل التقدير والعلم الإلهي"؛ أي أنه كان ثابتاً في علم الله القديم أنه أول النبيين خلقاً في الروح، وآخرهم مبعثاً في الجسد.
فالنور المحمدي هو "أول المخلوقات تعيناً"، وليس جزءاً من ذات الله القديمة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
بهذه العقيدة الوسطية الصافية، نبرأ إلى الله من جفاء الوهابية المنكرين لخصائصه النورية، ونبرأ إليه في ذات الوقت من غلو المتطرفة الذين يرفعون البشر إلى مقام الألوهية.
التساؤل العقدي الفاصل: كيف اهتدى الوجود بـ "الضال"؟
وإذا تقررت لك هذه الأصول، نأتي إلى التساؤل العقدي البليغ الذي يطرحه النص: إذا كان الله قد قال له ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾، فكيف نفهم هذا الفعل المتعدي في ميزان العقيدة؟
الجواب يا ولدي يكمن في تقدير حرف الجر "الباء"؛ أي: "ووجدك الضالُّ فاهتدى بِكَ".
فالضال هنا ليس النبي ﷺ، بل هو "الإنسان الحائر في ظلمات الشرك والوثنية"، فلما أشرقت شمس الحقيقة المحمدية، اهتدى هذا الضال بـه! فالله جل جلاله هو "الهادي" حقيقةً وفاعليةً (توحيد الأفعال)، وسيدنا محمد ﷺ هو "الواسطة العظمى والسبب الموصل"؛ فلا تعارض في عقيدتنا بين إثبات الفاعلية المطلقة للمسبب سبحانه، وبين احترام وتوقير الأسباب التي أقامها الله في كونه.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (من أسرار سورة الضحى ومقام التوله المحمدي | الشيخ جابر بغدادي)المقالات
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه القلوب والأدب مع المشرِّع: الأبعاد التشريعية في سورة الضحى | الدكتور جابر بغدادي)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (أدب السلوك ومقامات التزكية في أسرار سورة الضحى: من غسق النفس الأمارة إلى فجر المطمئنة | الدكتور جابر بغدادي)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (التحقيق التراثي والتأصيل الشرعي لأسرار سورة الضحى ومقام التوله المحمدي)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (وسواس الشك في عصمة البدايات: كيف يطمئن قلبي لتنزيه الحبيب في قوله ﴿ووجدك ضالا فهدى﴾؟)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (آفة العُجب في الإحسان: كيف أطهر جوارحي من رؤية الفضل عند كفالة الأيتام ومساعدة الفقراء؟)الأسئلة
الشيخ جابر بغدادي
