Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة لكل الأسئلة
الشبهاتسؤال من شاب يبحث عن اليقينالسؤال رقم 1

السؤال

وسواس الشك في عصمة البدايات: كيف يطمئن قلبي لتنزيه الحبيب في قوله ﴿ووجدك ضالا فهدى﴾؟

"أنا شاب مسلم أحب رسول الله ﷺ وأغار على مقامه، ولكن تطاردني أحياناً وساوسٌ قهرية، أو تقع عيني على شبهاتٍ للمستشرقين حول قوله تعالى في سورة الضحى: ﴿ووجدك ضالا فهدى﴾؛ فيوسوس لي شيطاني: هل عاش النبي ﷺ في تيهٍ أو جاهليةٍ قبل البعثة؟ هذا السؤال يعتصر قلبي ألماً، فأنا أريد أن أحبه بيقينٍ مطلق لا تشوبه شائبة، ولكن لفظ 'الضلال' يُشعرني بالحيرة.
فكيف أطهر بصيرتي من هذا الشك، وكيف أفهم الآية بما يليق بكمال الجناب النبوي؟"

إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي

تمت المراجعة قبل النشر

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أن هذا الألم الذي يعتصر قلبك هو من صميم الإيمان والغيرة المحمودة على جناب مشرِّع الأمة ، ولكن ترويع النفس بالشكوك يزول فوراً إذا أشرقت عليها شموس الفهم اللغوي والذوقي لكتاب الله.
فإياك ثم إياك أن تزل قدمك فتعتقد أن 'الضلال' المنسوب هنا لسيد الخلق هو ضلال التيه، أو الغواية، أو البعد عن التوحيد؛ فإن أفق النبوة أطهر من أن يمسه دنس الجاهلية.
ولكي ينجلي لك الحل والعلاج اليقيني الذي يغسل مضغتك من هذا الوسواس، أمعن النظر في أحوال العاشقين في القرآن الكريم؛ فهذا نبي الله سيدنا يعقوب عليه السلام، لما استغرق كلياً في حب ولده يوسف، وغاب عن شهود ما سواه في الوجود، ولم يعد يتمنى أو يطلب في العالمين إلا إياه، أنكر عليه المحجوبون من قومه وبنيه فرط هذا الوجد قائلين: ﴿تالله إنك لفي ضلالك القديم﴾.
يشرح لنا أئمة التحقيق كالإمام شمس الدين القرطبي (المتوفى سنة 671 هـ، إمام المفسرين والفقيه المالكي الحجة) في جامعه، أن هذا 'الضلال' ليس ضلال انحرافٍ عن الدين، بل هو 'ضلال العشق والتولّه'؛ أي غلبة المحبة واستيلاء المحبوب على القلب.
وعليه يا ولدي، فمعنى الآية في حق حبيبنا : وجدك متولهاً، شديد الحب لله، غارقاً في التعلق بذاته، قد تركت الكُلَّ لأجل الله، فلم تعد تطلبُ، ولا تعشقُ، ولا تهوى، ولا تتمنى في الدارين غير الله؛ فهداك الله إلى أقصى غايات الوصول إليه.
ولكي نقطع دابر الشك من جذوره، نضع عقلك أمام 'ميزان العصمة القرآني' القاطع في سورة النجم: ﴿ما ضل صاحبكم وما غوى﴾؛ فما المذكور هنا المنفيُّ عنه نفياً باتاً؟ إنه ضلال التعامي عن الحق.
وهذا يثبت بالبرهان الساطع الذي شيّده سيدي الإمام القاضي عياض (المتوفى سنة 544 هـ، إمام المغرب وتاج المحدثين والفقهاء) في كتابه 'الشفا'، أن العقل المحمدي والقلب المحمدي معصومانِ عصمةً ذاتية؛ فلم تسبق أنوارَهما ظلمةٌ قط، ولم يسبق علمَه اللدنيَّ جهالةٌ أبداً؛ فهو كمالٌ مطلقٌ مخلوقٌ معه منذ نشأته.
وتأمل يا ولدي كيف يبرز القرآن هذا الفارق الذوقي الباذه بين 'النور الذاتي المحض' وبين 'النور المكتسب'.
فعندما تحدث القرآن عن الصدّيق، سيدنا أبو بكر الصديق (المتوفى سنة 13 هـ، الخليفة الراشد الأول وأفضل الأمة بعد نبيها)، في سورة الليل، قال: ﴿والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى﴾؛ فَقَدَّمَ الليل (الظلام) على النهار (النور).
ويشرح لنا هذا الترتيب سيدي الإمام ابن عجيبة الحسني (المتوفى سنة 1224 هـ، العالم الرباني والمفسر الصوفي)، مبيناً أن سيدنا أبا بكرٍ يمثل 'مقام السالك التائب' الذي سبقتْ إسلامَه كفرٌ وجاهلية.
أما عندما أقسم الله تعالى لحبيبه المصطفى في مطلع سورة الضحى، قال: ﴿والضحى * والليل إذا سجى﴾؛ فَقَدَّمَ 'الضحى'، وهو رمز النور المحمدي الساطع، ثم ذكر بعده 'الليل'، وهو الظلام الذي طرأ على الكون فأزاحه ومحاه هذا النور! لأن رسول الله نورٌ لم تسبقه ظلمة.
ويمتد هذا السبق النوري يا ولدي إلى حضرة الأزل، قبل أن تُخلق المعارف، وتُزخرف الزخارف، وقبل أن تُسطَّر الكتب، وتُرسَم الرسوم، وتُرقَم الرقوم؛ كما يحقق ذلك سيدي الإمام أحمد القسطلاني (المتوفى سنة 923 هـ، إمام المحدثين وصاحب المواهب اللدنية).
فقد كان الحبيب في الأزل 'أحمدَ'، وعند الميلاد صار 'محمداً'، وبعد الإرشاد والتبليغ صار في الآخرة 'محموداً'.
فهو 'أحمدُ الأزل'، المجتبى من قبل أن تكون هناك عبادةٌ أو علة عمل، وهو الشاهد الأول بالتوحيد المطلق في حضرة الغيب مصداقاً لقوله تعالى: ﴿قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين﴾؛ كما نطق بذلك الحديث الصحيح: «كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد» (أخرجه الترمذي، رقم 3609، وقال حسن صحيح).
فمن كانت فطرته في الأزل ساجدةً لله، كيف يمر عليه غسق الجاهلية في الأرض؟ فطب نفساً يا ولدي، واعلم أن حبيبك مكمَّلٌ بالوهب، منزَّهٌ عن الريب.

هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.