Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة
عقيدة

عقيدة النفع ومقامات اليقين: أسرار التوحيد في قضاء حوائج المسلمين

في هذا المقال العميق، يستنبط فضيلة الدكتور جابر بغدادي المعاني العقدية الدقيقة الكامنة وراء أعمال البر وقضاء الحوائج، مبيناً كيف ترتبط خدمة الخلق بتوحيد الخالق، ومحذراً من المزالق الخفية في نسبة الفضل للنفس، ليؤسس عقيدة صافية تجمع بين السعي في الأرض والتعلق برب السماء.

اعلم يا ولدي، أرشدني الله وإياك إلى سواء السبيل، أن الشريعة الغراء في ظاهرها أعمال وجوارح، وفي باطنها عقائد راسخة تعقد عليها القلوب، فلا يصح عمل دون أن يُبنى على أساس متين من التوحيد الخالص. وحين يتحدث مشكاة النور المصطفوي عن الأخلاق وقضاء الحوائج، فإنه يؤسس في الحقيقة لقواعد عقدية جليلة، لا يدركها إلا من ألقى السمع وهو شهيد. حين سُئل النبي : من أحب الناس إلى الله؟ فأجاب: «أحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ» ⁽¹⁾ [أخرجه الطبراني وهو حديث صحيح المعنى والمنبنى، يوافق أصول التوحيد الثابتة]، فإنه هنا يا ولدي يقرر عقيدة (المحبة الإلهية)، وهي صفة من صفات الله العُلا؛ فالله جل جلاله يحب ويُحب. ولكن، قف هنا وقفة الموحد المتبصر؛ إياك أن تظن أنك أنت مصدر النفع الحقيقي للناس! فهنا مزلق خطير قد يوقع العبد في الشرك الخفي بنسبة الفضل إلى نفسه. اعلم يقيناً أن الله وحده هو "النافع"، وهو المسبب الأصلي، وهو خالق أفعال العباد لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. فأنت حين تنفع مسلماً، إنما أنت أداة سخرها الله، ومظهر تجلى عليه اسم الله "النافع". فالتوجيه العقدي هنا: أن تشهد فضل الله عليك إذ أقامك في مقام النفع، لا أن ترى لنفسك فضلاً على الخلق. وفي ذات الوقت، احذر يا ولدي من عقيدة "الجبرية" الفاسدة التي تدعي أن العبد مسلوب الإرادة تماماً فلا داعي للعمل؛ بل الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة أن لك إرادة وكسباً، فأنت مأمور بالسعي في نفع الناس وكشف كرباتهم، مع تفريغ القلب من الاعتماد على الأسباب، والاعتماد بالكلية على رب الأرباب. ويتجلى هذا المعنى العقدي بوضوح حين يخبرنا الحبيب بأن من أحب الأعمال إلى الله: «سُرُورٌ تُدْخِلُهُ على مُسْلِمٍ، تَكْشِفُ عنهُ كُرْبَةً» ⁽²⁾ [رواه ابن أبي الدنيا، وهو قطعي الدلالة على سعة فضل الله]. إن الشدة التي تلم بالخلق، يا ولدي، سواء كانت فاقة مادية أو وحشة نفسية تتطلب من يربت على الأكتاف أو يتبسم في الوجوه، هي في حقيقتها مقادير أجراها الله لحكمة بالغة، ليختبر بها عقيدة اليقين في قلوب عباده. فحين تسعى لسداد دين فقير أو طرد جوع عن محتاج، فأنت في الحقيقة تمارس عقيدة "التوكل" وتوقن بأن الرازق هو الله، وأن ما تنفقه لن ينقص من خزائن الملك شيئاً. ثم ارتقِ معي يا ولدي إلى مقام عقدي آخر أشار إليه النص، وهو (الإيمان باليوم الآخر) وما فيه من أهوال وغيبيات. يقول الصادق المصدوق: «ومَن مَشَى مع أخِيهِ في حاجَةٍ حتَّى يَقْضِيَها لهُ، ثَبَّتَ اللهُ قَدَمَهُ يَومَ تَزُولُ الأقْدامُ» ⁽³⁾ [حديث تلقته الأمة بالقبول والتسليم]. إن هذا التوجيه يربط عالم الشهادة بعالم الغيب ربطاً محكماً. أنت تمشي بقدمك المادية في طرقات الدنيا لتقضي حاجة أخيك، فيتحول هذا السعي الدنيوي، بقدرة الله الذي لا يعجزه شيء، إلى ثبات ميتافيزيقي على "الصراط" يوم القيامة، يوم تزل الأقدام في نار جهنم والعياذ بالله. هذا هو الإيمان بالغيب الذي مدح الله به المتقين في مطلع كتابه. ولا يفوتنا يا ولدي في هذا المضمار العقدي، أن نشير إلى (عقيدة النبوة والرسالة). فقد ضرب لنا الشيخ مثالاً بنبي الله سيدنا يوسف عليه السلام، وكيف أنه حفظ سلة الغذاء لكوكب الأرض خمسة عشر عاماً. إن الإيمان بالأنبياء لا يقتصر على تصديقهم في العبادات المحضة، بل يمتد للإيمان بأن النبوة هي حركة إصلاحية شاملة، وأن الإسلام هو دعوة لعمارة الكون وإرساء قواعد الإنسانية. فالأنبياء هم مظاهر رحمة الله للعالمين، والإسلام هو رَحِمُ الإنسانية الموصول بحبل الله المتين. إن فهمنا الشامل لعقيدة التوحيد هو ما يجعلنا ندرك سر تفضيل السعي في حاجة المسلم على الاعتكاف في المسجد النبوي شهراً كاملاً. فالعبادة في التصور العقدي الصحيح ليست حبيسة الجدران والمحاريب، بل العبادة هي امتثال أمر الله حيثما أمر. فإذا كان الله قد أمر بجبر الخواطر المنكسرة، فإن الموحد الصادق يجد ربه عند المنكسرة قلوبهم. ولذلك يترنم أهل الله قائلين بلسان الحال الموحد الخالص: "إذا لم أكن في ساحة البيت طائفاً.. أطوف على الفقراء لأجمع زادي وإن لم أكن في روضة الحب هائماً.. أسبح بالصدقات أرد ودادي" فيا ولدي، ليكن يقينك أن قضاء حوائج الناس ليس مجرد مروءة دنيوية، بل هو دين وعقيدة؛ المروءة فيه هي أثر من آثار شهودك لقيومية الله، والإنسانية فيه هي ثمرة من ثمار توحيدك الخالص، والأخلاق هي الترجمة العملية لما استقر في قلبك من إجلال للخالق ورحمة بالمخلوق. فمن بات على الشوق في خدمة عباد الله موقناً بأن الله هو الفاعل المختار، أتاه المدد المحمدي في صحوه ومنامه، وحُق له أن يكون من أحب عباد الله إلى الله.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.