عقيدةُ الكرمِ الإلهيِّ وكمالُ المحبةِ في سِياقِ العفوِ والستر
## في حقيقةِ التوحيدِ وسعةِ الفضلِ الإلهي إنَّ مَن أراد أن يَفقه حقيقة العقيدة، فلينظر إلى كمال صفات الخالق في تعامله مع خلقه. فالتوحيد ليس مجرد كلماتٍ تُنطق، بل هو شهودٌ لجمال صفات الجلال والجمال في أفعال الرب جلَّ جلاله. إنَّ الذي يُحقق عقيدة المحبة يدرك أن الله -سبحانه وتعالى- هو الكريم الذي يُعطي ما لا يستحق لمن لا يستحق، وأنَّ فضل التوبة ليس كسباً للعبد، بل هو بسطٌ من يدِ الله، "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل" ⁽¹⁾. وهذا المفهوم يصحح عقيدةً يغفل عنها كثيرون؛ فلا يظننَّ ظانٌّ أنَّ الإنسان بجهده ينال العفو، بل العفو عطاءٌ محضٌ، وسترٌ إلهيٌّ يسبقُ طلب العبد، فالله لا يُحوجُ من أحبَّ إلى الاعتذار، بل يكرمه بالعفو قبل أن يَستغفر. ## لطفُ العتابِ في ميزانِ الكمالِ الإلهي يتساءل أهل القلوب عن مآلاتِ الأفعال، وحين نتأمل في قول الله عز وجل ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ ⁽²⁾، فإننا نغوص في أسرار العقيدة التي تدمج بين الجلال والكمال. فاللهُ قدَّم العفو على العتاب؛ وهذا ليس -كما قد يتوهم البعض- إقراراً للتقصير، بل هو "لُطف العتاب وأنس الخطاب" الذي يربي العبد على أن الله هو المربي الذي يُهذب الكمال بالأكمل، فالمُصطفى ﷺ قد أصاب الكمال، ولكن الحق سبحانه يُرشده إلى ما هو أكمل. وهنا يجب أن ننبه إلى أن هذه المراتب الإلهية لا تنافي عظمة التوحيد؛ فاللهُ منزهٌ عن النقص، وعتابه تنبيهٌ يُراد به الرفق، لا المعاقبة، وهذا من تمام عقيدة اللطف الإلهي التي نؤمن بها.
## التواضعُ كسرٌ للحُجبِ العقديّة يا ولدي، إنَّ النفس قد تحجبُ صاحبها عن رؤية الحق، فإذا ما أساء إليك أخٌ، فالتمس له سبعين عذراً ⁽³⁾؛ فإن لم تجد، فضع خدك على التراب وقل: "دُس لعل الله يخرج ذلك من قلبك". ليس هذا استخذاءً، بل هو عقيدةُ الانكسار بين يدي الله، فإذا رأى اللهُ منك هذا الانكسار، أخرج الغلَّ من قلبك وقلب أخيك. فالعبدُ إذا عمل عند عبدٍ أخذ أُجرته وعُمره، أما إذا استعمل الله عبداً، فإنه يُعطيه "نوره ومدده"؛ وهذا المددُ هو ثمرة التوحيد الصافي الذي يرى في الخلق أثراً للخالق، فلا يبقى في القلب مكانٌ إلا لله. إننا لا نقول بالجبر، فالله أقدرنا على الفعل، ولكننا نؤمن أنَّ النتيجةَ والفضلَ والقبولَ مَردهُ إليه وحده؛ فكلُّ خيرٍ هو منه، وكلُّ عفوٍ هو محضُ كرمه، فاقصد الله وحده ولا تلتفت لغيره.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (سِرُّ المحبة في إسقاط الكُلفة: حينما لا يُحوجُ المُحبُّ حبيبهُ للاعتذار)المقالات
- للتعمق في الجانب الروحي وتزكية النفس لهذا الموضوع، راجع هذا المحتوى (أدب المحبة ومقام التجاوز: حين يغدو القلبُ سماءً للستر)التزكية والتصوف
- للاطلاع على الآيات والأحاديث الموثقة في هذا الفيديو، قم بزيارة موسوعة التوثيق العلمي الشاملة (المحب لا يحوج حبيبه للإعتذار)التوثيق العلمي
- يمكنك قراءة إجابة مستنبطة من حديث الشيخ في هذا الفيديو من هنا (الخجل من كثرة الذنوب وفهم حقيقة العتاب الإلهي)الأسئلة
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (مرارة الغل وعجز القلب عن مسامحة المسيئين)الأسئلة
