أعمال تفوق اعتكاف المسجد النبوي: أسرار المروءة وفلسفة إسعاد المسلمين
أعمال تفوق اعتكاف المسجد النبوي: أسرار المروءة وفلسفة إسعاد المسلمين
أي القلوب أقرب إلى حضرة الله؟ وأي العباد أحب إلى خالقهم؟ يجيبنا مشكاة النور المصطفوي بأن أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس ⁽¹⁾ [أخرجه الطبراني وهو حديث صحيح المعنى والمنبنى، يوافق أصول الدين الثابتة في التراحم]. وما هي أجلّ القربات وأحب الأعمال إلى الحق جل جلاله؟ هي سرور تدخله على قلب امرئ مسلم، فتكشف عنه غمة وتجلي عنه كربة. لله درك يا ولدي لو جعلت دأبك إدخال الفرح على قلوب المسلمين! فاعلم يقيناً أن الشدة التي تلم بالخلق ليست محصورة في فاقة المال، بل هناك أرواح ظمأى تحتاج لمن يربت على أكتافها بحنان، ووجوه متعبة تترقب ابتسامة صادقة تشرق في محياها، ونفوس موحشة تنتظر سؤالاً يسيراً عن حالها. قد يكون لك أب شفوق أو أم رءوم، قد أفاء الله عليهما من سعة الرزق ما يغنيهما عن دراهمك، لكنهما في أشد الحاجة إلى وصلك، إلى أن تطرق بابهما أو ترفع سماعة الهاتف لتسأل بصدق: "كيف حالكم؟ هل أنتم بخير؟". فهل تراك يا ولدي قادراً على هذا الفعل اليسير؟ أم أن دوامة المادية الطاغية، وتكالبنا المحموم على جمع حطام الدنيا، قد وأد فينا روح الإنسانية؟ إن محراب العبادة لا يقتصر على جدران المسجد فحسب، بل إن من أعظم العبادات سروراً تبثه في روح مسلم بعد أن نبسط أيدينا بالنفع للخلق أجمعين. وكيف لنا أن نزرع نبتة الفرح في رياض المسلمين؟ يأتي التوجيه النبوي جلياً: بأن تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً أثقل كاهله ⁽²⁾ [رواه ابن أبي الدنيا في اصطناع المعروف، وهو ثابت محتج به]. إنها يا ولدي فلسفة إسعاد الغير، فمن هم أسعد الناس في هذه الدار؟ هم أولئك الذين أخذوا على عواتقهم إسعاد الناس. وإن تساءلت في خضم هذا العصر المادي القاحل: كيف السبيل إلى إدخال السرور عليهم؟ فدونك أبواب الخير مشرعة: أدخل عليهم البهجة، اقضِ حوائجهم، وسدد عنهم ديونهم، ونفس عنهم كرباتهم، بأن تكشف غمة، أو تقضي ديناً، أو تطرد عنهم جوعاً. وتأمل معي هذا التعبير البليغ "تطرد عنه جوعاً"، وكأن الجوع وحش كاسر أو هاجس مفاجئ ينقض على الإنسان، فيحتاج إلى من يطرده بقوة العطاء. واسمع إلى هذا الفضل العظيم: «ولأن أمشي مع أخٍ في حاجةٍ قُضيت أو لم تُقضَ خير من أن أعتكفَ في مسجدي هذا شهرًا». قد تقول: إني لم أعطه مالاً، بل رافقته فحسب! نعم يا ولدي، إنها المروءة. يجب أن ندرك بعمق أن المروءة في شريعتنا هي صميم الدين، وأن الإنسانية هي جوهر الدين، وأن مكارم الأخلاق هي منتهى غايات الدين. تأمل وتفكر يا ولدي، مجرد مسيرك مع أخيك لقضاء حاجته، سواء قضيت على يديك أو لم تقض -حتى وإن رُدَّ طلبكما- فهو عند الله خير وأعظم أجراً من أن تعتكف في مسجد الحبيب المصطفى ﷺ شهراً كاملاً. تخيل معي، السعي في حاجة واحدة، وإن لم تكلل بالنجاح، يفوق فضل الاعتكاف في المسجد النبوي! والذي ينطق بهذا الفضل العميم هو سيدنا رسول الله ﷺ. إنك لم تفعل شيئاً سوى أنك مشيت معه، توسطت له، وشفعت له شفاعة حسنة. وقد ورد في الأثر المنير: «ومن مشى مع أخيه في حاجةٍ حتى يقضيها له، ثبَّتَ اللهُ قَدَمَه يومَ تزولُ الأقدامُ» ⁽³⁾ [وهو حديث تلقته الأمة بالقبول]. وانظر إلى سير الأنبياء، فهذا سيدنا يوسف عليه السلام، نبي زمانه، قد تولى حفظ سلة الغذاء لكوكب الأرض بأكمله طيلة خمسة عشر عاماً، لينقذ البشرية من الهلاك. إن الإسلام، يا ولدي، في كليته هو دعوة صادقة إلى النجاح، دعوة إلى الإصلاح، دعوة إلى عمارة الأرض، بل هو دعوة خالصة إلى الإنسانية. وأزيدك بياناً فأقول: إن الإسلام هو رَحِمُ الإنسانية ومنبع رحمتها. ولله در القائل حين يترنم بلسان الحال والمقال: "إذا لم أكن في ساحة البيت طائفاً.. أطوف على الفقراء لأجمع زادي وإن لم أكن في روضة الحب هائماً.. أسبح بالصدقات أرد ودادي" اعلم يا ولدي أن مراتب الوصول إلى الحبيب ﷺ تتنوع وتتعدد؛ فهناك طائفة من الناس تتقرب وتصل إلى حضرة النبي ﷺ بكثرة الصلاة والصيام، وهناك طائفة أخرى تبيت ليلها تتقلب على جمر الشوق، تقضي نهارها في خدمة المسلمين وقضاء حوائجهم، هؤلاء المخلصون يكرمهم الله بأن يزورهم النبي ﷺ في منامهم، صلى عليه الله وسلم. فيا بشرى لمن جعل هذا الحديث نبراسه ومنهاجه: «ولأن تمشي مع أخيك في قضاء حاجة قضيت أو لم تقض خير من اعتكافك في مسجدي هذا شهراً».
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (عقيدة النفع ومقامات اليقين: أسرار التوحيد في قضاء حوائج المسلمين)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه المنفعة المتعدية: لماذا فضل النبي قضاء حوائج الناس على الاعتكاف في الحرم؟ (رؤية فقهية من توجيهات د. جابر بغدادي))الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (مدارج السالكين في قضاء حوائج المسلمين: أسرار التزكية وعمارة الأرض)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (عمل لا يقل عن الاعتكاف في الحرم !!!)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه ("أنا شاب مسلم أؤدي صلاتي وعباداتي، ولكني أشعر بجفاف في قلبي وقسوة في روحي. لقد طغت عليّ مادية الحياة، فأصبحت أقيس كل شيء بالمال والمنفعة الشخصية، حتى في علاقتي بأقرب الناس إليّ كأبي وأمي، ظننت أن توفير المال لهم هو أقصى درجات البر، وغفلت عن حاجتهم لكلمة طيبة، أو لمسة حانية، أو سؤال صادق عن حالهم. أبحث عن الله في خلوتي وفي المسجد، ولكني أجد قلبي محجوباً، فهل قتلت الدنيا إنسانيتي؟ وكيف أجد طريقاً يرضي الله ويجلب لقلبي السكينة بعد أن عجزت عن إدراك حلاوة الإيمان في محرابي؟ ")الأسئلة
