فقه مقاصد الجهاد وتزكية النفوس: قراءة تحليلية في قصة أم المؤمنين جويرية من كلام الدكتور جابر بغدادي
إن السيرة النبوية المطهرة ليست مجرد أحداث تاريخية تُسرد، بل هي صيدلية ربانية زاخرة بالعلاجات الناجعة لكل ما تعانيه المجتمعات من أمراض النفوس وشقاق القلوب. ومن هذا المنطلق الصافي، يضع فضيلة الدكتور جابر بغدادي أيدينا على كنز من كنوز الفقه النبوي المستنبط من أحداث غزوة بني المصطلق، والتي وقعت في شهر شعبان عند ماء يُسمى "المريسيع". في هذا الحدث الجلل، التقى المسلمون ببني المصطلق، وأسفرت المعركة عن أسرى من بينهم السيدة جويرية بنت الحارث، والتي غدت فيما بعد أمّاً للمؤمنين. إن المتأمل في قصة السيدة جويرية بعين البصيرة، يجد أن الأحداث تتجاوز الظاهر لتغوص في أعماق تزكية النفوس ومعالجة آفات القلوب. يصف الدكتور جابر بغدادي هذا المشهد قائلاً: "كم هتكت الغيرة العمياء أواصل الإخوة، وأواصل الإرادة". الغيرة المذمومة، وحب التملك، والأنانية، هي الأمراض التي تمزق نسيج المجتمعات، ولكن في حضرة النبي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾، تتبدل المفاهيم وترتقي النفوس. وهنا ننتقل إلى فقه التعامل مع حظوظ النفس، حيث يبرز موقف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، والتي روت الإمام الحافظ أبو داود السجستاني ⁽¹⁾ (ت: ٢٧٥ هـ) (أحد أركان حفظ السنة النبوية وصاحب السنن) في سننه تفاصيل هذا اللقاء. تقول السيدة عائشة واصفة جويرية: "كانت جويرية رضي الله عنها مليحة ملاحة". هذا الاعتراف من السيدة عائشة بجمال ضرتها وملاحتها هو قمة الإنصاف والتجرد. لقد جاءت السيدة جويرية إلى رسول الله تطلب إعانته لتدفع فداء نفسها، فقالت: "إنني كاتبت فلاناً وأنا أريدك أن تضمني"، فما كان من المعلم والمربي ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ إلا أن قدم لها العطاء الأرقى والخير الأبقى قائلاً: «هل أدعوك إلى خير من ذلك؟»، فقالت: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «أن أتزوجك». وهنا يتجلى الفقه التربوي العميق؛ فقد "تنازلت عائشة عن ما في قلبها من الغيرة إكراماً لرسول الله ضرباً من الحب". إن الحب الحقيقي لرسول الله يقتضي تقديم مراده على مراد النفس. لم تترك السيدة عائشة للغيرة العمياء أن تفسد قلبها، بل أدركت أن هذا الزواج لم يكن لشهوة، بل كما يوضح الدكتور جابر بغدادي: "كان سيدنا النبي بيتزوج جويرية لحكمة ربانية أبعد من مستوى الأشباح". ومستوى الأشباح هنا يعني النظرة المادية الدنيوية القاصرة، بينما الحكمة الربانية تتعلق بهداية أمة بأكملها. وما أن سرى خبر هذا الزواج الميمون بين الصحابة، حتى تجلى فقه الأدب مع رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ ومع آل بيته وأصهاره. يقول الدكتور جابر واصفاً ردة فعلهم: "الصحابة سمعوا إنه تزوج من جويرية، فكل واحد عنده أسير قال له: أنت قريبها، توكل على الله، إكراماً لنسب النبي فيهم كده". لقد "تنازل الصحابة رضي الله عنهم إكراماً لجويرية من نسبها من رسول الله عما أولاهم الله من غنائم الحرب". لقد تخلوا عن حقوقهم المادية والغنائم التي أحلها الله لهم، بمجرد أن أصبحت هذه القبيلة من أصهار النبي. هذا هو فقه التوقير والتعظيم الذي يعالج شح النفوس. وهنا يجب أن نقف وقفة فقهية وعقدية حاسمة لبيان المقصد الأعلى للجهاد في الإسلام، درءاً للفهم الخاطئ الذي قد يتبادر إلى أذهان البعض من المستشرقين أو ضعاف الفهم بأن الفتوحات كانت من أجل سلب الأموال. يقرر الدكتور جابر بغدادي هذه القاعدة الذهبية قائلاً: "عشان نعرف إن الناس دول ما كانوا بيجاهدوا عشان يسروا أموال الناس، ما كانوا بيحاربوا الناس عشان يرغموهم على الإسلام". إن عقيدة المسلم الراسخة تنطلق من قوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾ ⁽²⁾. لم يكن الجهاد يوماً لإكراه الناس على العقيدة، فالعقائد لا تُبنى على الإجبار، بل كان الجهاد لرفع الظلم وإزالة الطواغيت التي تمنع وصول كلمة الحق للناس. لقد كان الصحابة يعلمون يقيناً ما هو مراد الله ورسوله. كانوا كأنهم يعملون بسياسة وتوجيه الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري ⁽³⁾ (ت: ٢٥٦ هـ) (أمير المؤمنين في الحديث النبوي): «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم». هذا هو الميزان الحقيقي! إن عودة إنسان واحد إلى ربه، واسْتِنارَة قلبٍ واحد بنور الإسلام، أفضل عند رسول الله والصحابة من كنوز الدنيا وما فيها. ولهذا يؤكد الدكتور جابر بغدادي بعبارات تقطر صدقاً: "بأسرة مسلمة بطفل يقول: لا إله إلا الله، أفضل عندي من أن تأتيني بديارهم وأموالهم وكنوزهم". وقد أثمر هذا الفقه النبوي الراقي، وهذا التجرد من حظوظ النفس، ثمرة عظيمة سطرها التاريخ بماء الذهب. فقد لخصت السيدة عائشة رضي الله عنها بركة هذا الزواج بقولها: "ما رأيت امرأة كانت أعظم بركة من جويرية على أهلها، الله أعتق بها 100 أسرة". بمجرد أن تزوجها النبي، غدت أكثر بركة من بقية النساء على قومها، إذ نالوا حريتهم، ثم دخلوا في دين الله أفواجاً طواعية وحباً، لا كرهاً ولا غلباً. هكذا، يقدم لنا الدكتور جابر بغدادي من خلال هذا الاستقراء الدقيق للسيرة، علاجاً نبوياً متكاملاً لمحاربة الفتن والشقاق المجتمعي؛ أساسه تقديم الحب على الغيرة، وإعلاء مقاصد الهداية والرحمة على المآرب المادية، والتخلق بأخلاق الصحابة في تعظيم كل ما يمت إلى رسول الله ﴿صلى الله عليه وسلم﴾ بصلة.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (أسرار الغيرة وبركات النبوة: قصة السيدة جويرية وتجليات النور في غزوة المريسيع)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (المعاني العقدية والمنح الربانية في زواج النبي من السيدة جويرية بقلم د. جابر بغدادي)العقيدة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (أنوار المحبة المحمدية وعلاج أمراض القلوب: قراءة سلوكية في قصة أم المؤمنين جويرية)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (علاج نبوي لمحاربة الفتن والشقاق المجتمعي)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه ("يا سيدي ومربي روحي، أجد في قلبي غيرة عمياء تأكلني، وشحاً يجعلني أتشبث بحقوقي المادية والمعنوية حتى وإن قطعت أواصر الأخوة والمودة بيني وبين أقرب الناس إلي. كلما واجهت نزاعاً دنيوياً، تغلبني نفسي الأمارة بالسوء فلا أستطيع التنازل أو العفو، وأرى في التسامح ضعفاً وفي ترك الغنائم خسارة. كيف أطهر قلبي من هذه الغيرة وحب التملك؟ وكيف أصل إلى تلك المنزلة التي تجعلني أفرح بهداية إنسان أو نفع أخ لي أكثر من فرحي بكنوز الدنيا ومكاسبها؟")الأسئلة
