بقلم: dr.dina
أسرار الغيرة وبركات النبوة: قصة السيدة جويرية وتجليات النور في غزوة المريسيع
أسرار الغيرة وبركات النبوة: قصة السيدة جويرية وتجليات النور في غزوة المريسيع
يا ولدي، تأمل بعين البصيرة كم هتكت الغيرة العمياء من أواصر الأخوة، وقطعت من حبال الإرادة الصادقة بين السالكين. ولكن انظر في المقابل إلى حال الكرام من الرعيل الأول، فقد تنازل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حظوظ أنفسهم وما أولاهم الله من غنائم الحرب، إكراماً للسيدة جويرية حين اتصل نسبها برسول الله. وفي ذات المشهد النوراني، طوت الصديقة عائشة رضي الله عنها ما جُبلت عليه القلوب من الغيرة، وقدمت رضا رسول الله، ضرباً من أصدق معاني الحب والامتثال. لقد تجلت هذه المعاني الراقية في شهر شعبان، حين التقى سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم بهؤلاء القوم من بني المصطلق عند ماء يُعرف بـ "المريسيع". وكان من جملة من وقع في الأسر يومئذ السيدة المصونة، أم المؤمنين جويرية بنت الحارث. وتروي لنا السيدة عائشة رضي الله عنها ⁽¹⁾ (مسند الإمام أحمد)، قصة مجيئها إلى رحاب المصطفى تطلب فداء نفسها وتقديم مكاتبتها. تصفها السيدة عائشة قائلة: "كانت جويرية رضي الله عنها امرأة حُلوةً مُلاحةً"، فلما وقفت بين يدي الحبيب الشفيع صلى الله عليه وسلم، باثت شكواها قائلة: "إنني كاتبت فلاناً على نفسي، وأنا أريدك أن تضمني وتعينني". هنا، تتجلى الرحمة المهداة، فلا يردها خائبة، بل يفيض عليها من كرمه بما يفوق آمالها، قائلاً لها بلسان النبوة العطوف: «فَهَلْ لَكِ فِي خَيْرٍ مِنْ ذَلِكِ؟»، فاستبشرت وسألت: "وما ذاك يا رسول الله؟"، فأجابها غوث الأرواح: «أَقْضِي عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَأَتَزَوَّجُكِ». فتم لها هذا الشرف العظيم، وتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم ⁽²⁾ (سنن أبي داود). وما إن تناهى إلى أسماع الصحابة الأطهار خبر هذا النسب الشريف، حتى هبت نسائم الأدب في قلوبهم. فكل من كان بيده أسير من قومها، أطلقه من فوره قائلاً: "أنت قريبها، توكل على الله"، إكراماً لنسب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم، وتعظيماً لصهره، هكذا كان أدبهم ومحبتهم!. وتختم السيدة عائشة هذا المشهد النوراني بقولها الخالد: "فَمَا رَأَيْنَا امْرَأَةً كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً عَلَى أَهْلِهَا مِنْهَا، أُعْتِقَ بِهَا مِائَةُ أُسْرَةٍ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ". يا بني، قف هنا وتدبر؛ لتعلم يقيناً أن هؤلاء السادة الأبرار ما جاهدوا يوماً ليسلبوا أموال العباد، ولا حاربوا الناس ليرغموهم على الإسلام قسراً، بل كانت غايتهم إكرام وجه النبي، وكانوا يعون حقيقة هذه الرسالة ومراميها. لأجل النبي، كان سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم يتزوج السيدة جويرية لحكمة ربانية، وغايات تسمو أبعد من مستوى الأشباح والشهوات المادية. إنهم، يا بني، ينهجون سياسة النبوة العظمى التي تتجلى في قوله صلى الله عليه وسلم: «فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» ⁽³⁾ (صحيح البخاري). إن عودة روح واحدة إلى نور الإسلام، وخروج طفل من أسرة مسلمة ينطق بـ "لا إله إلا الله"، لهو أحب وأفضل وأكرم عند أهل الله من أن تساق إليهم ديار القوم وأموالهم وكنوز الأرض قاطبة. فبمجرد أن اقترن بها النبي صلى الله عليه وسلم، فاضت بركتها لتكون أكثر النساء يُمنًا وبركة على أهلها أجمعين.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (المعاني العقدية والمنح الربانية في زواج النبي من السيدة جويرية بقلم د. جابر بغدادي)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه مقاصد الجهاد وتزكية النفوس: قراءة تحليلية في قصة أم المؤمنين جويرية من كلام الدكتور جابر بغدادي)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (أنوار المحبة المحمدية وعلاج أمراض القلوب: قراءة سلوكية في قصة أم المؤمنين جويرية)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (علاج نبوي لمحاربة الفتن والشقاق المجتمعي)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه ("يا سيدي ومربي روحي، أجد في قلبي غيرة عمياء تأكلني، وشحاً يجعلني أتشبث بحقوقي المادية والمعنوية حتى وإن قطعت أواصر الأخوة والمودة بيني وبين أقرب الناس إلي. كلما واجهت نزاعاً دنيوياً، تغلبني نفسي الأمارة بالسوء فلا أستطيع التنازل أو العفو، وأرى في التسامح ضعفاً وفي ترك الغنائم خسارة. كيف أطهر قلبي من هذه الغيرة وحب التملك؟ وكيف أصل إلى تلك المنزلة التي تجعلني أفرح بهداية إنسان أو نفع أخ لي أكثر من فرحي بكنوز الدنيا ومكاسبها؟")الأسئلة
