Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة الشريعة
إسلاميات وتزكية

الصيام مدرسة الحرية: قراءة في فقه العبودية والترقي الروحي عند الدكتور جابر بغدادي

في هذا المقال الماتع، يغوص بنا الدكتور جابر بغدادي في أعماق فقه الصيام، مبيناً كيف يكون الصيام مدرسة للحرية الحقيقية، وكيف يتجسد كمال العبودية لله في التحرر من قيود الجسد والتعلقات الدنيوية كالمال والولد، مقتدين في ذلك بالأنوار المحمدية التي تجسدت فيها أسمى معاني التحرر.

إن الناظر في شريعة الإسلام بعين البصيرة، يدرك يقيناً أن الأحكام الفقهية لم تُشرع لمجرد أداء حركات ظاهرية أو امتناع مادي فحسب، بل هي قوالب تحمل في طياتها أرواحاً من المعاني والحقائق التي تزكي النفس وترقى بها في معارج القرب. ومن هنا، يوجهنا الدكتور جابر بغدادي في حديثه العميق والملهم عن فقه الصيام، إلى معنى جليل يغفل عنه الكثيرون، وهو أن "الصيام مدرسة للحرية". يفتتح الدكتور جابر بغدادي هذا التوجيه العظيم بقاعدة جامعة في فقه القلوب قائلاً: "تعبدوا الله عبادة العبيد، واعبدوه عبادة الأحرار". إن هذا التوجيه يحمل تناقضاً ظاهرياً لمن لم يذق طعم المعرفة، ولكنه عين الحقيقة عند أهل الفهم؛ فالإنسان كلما ازداد عبودية وتذللاً لله، كلما ازداد تحرراً من رق المخلوقات ومن أسر الشهوات. فالصيام بحق يعلمك تلك الحرية، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، فمن كمالات نجاح النبي صلى الله عليه وسلم في صيامه وعبوديته الكاملة لله عز وجل، أنه كان متحرراً تحرراً تاماً من كل قيد سوى محبة الله وطاعته. وقد سرد الدكتور جابر بغدادي تجليات هذه الحرية المحمدية في مقام الصيام والقيام، مشيراً إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وهذه قمة الحرية من قيد الخوف على الرزق، فقد صح في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم «كان أجود بالخير من الريح المرسلة» ⁽¹⁾ (صحيح البخاري) (الإمام البخاري ت: ٢٥٦ هـ، أمير المؤمنين في الحديث). وهذه هي الحرية الأولى: التحرر من سطوة الدرهم والدينار. ثم ينتقل الشيخ إلى مظهر آخر من مظاهر الحرية المحمدية في العشر الأواخر من رمضان، حيث كان صلى الله عليه وسلم "يفارق أهله"، و"يشد مئزره" ⁽²⁾ (صحيح مسلم) (الإمام مسلم ت: ٢٦١ هـ، حجة الإسلام في الحديث). وهذا التعبير النبوي البديع هو إشارة صريحة إلى التحرر الكامل من حظوظ النفس الدنيوية وغرائز الجسد، ليتفرغ الروح للتحليق في ملكوت الله. وتتجلى ذروة هذه الحرية في وقوفه صلى الله عليه وسلم بين يدي ربه في جوف الليل. يقول الدكتور جابر: "كان يقوم من الليل حتى تورم الأقدام (حرية)". وهنا يتساءل العقل المادي: وما وجه الحرية في تورم الأقدام والألم الجسدي؟ ويجيب الشيخ بعبارة تكتب بماء الذهب: "ده مش حاسس بجسمه". إن النبي صلى الله عليه وسلم كان حراً حتى من قيود الألم البدني؛ لأن روحه الشريفة كانت في غاية الأنس بالله، فاستولت حلاوة المناجاة على ألم الأقدام ⁽³⁾. وهنا يجب أن نضع ضابطاً فقهياً وعقدياً هاماً؛ حتى لا يفهم القارئ هذا التوجيه فهماً خاطئاً يميل به إلى غلو الفلاسفة أو إهمال الحقوق الجسدية التي أمرت بها الشريعة. إن التحرر من الجسد هنا لا يعني إهلاكه أو تعذيبه كما تفعل بعض الطوائف المنحرفة، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو القائل: «وإن لجسدك عليك حقا»، ولكنه مقام "الغلبة الروحية"، حيث يصبح الجسد مطية طيعة للروح، فلا يعيقها عن الترقي. وقد دلف الدكتور جابر بغدادي إلى مسألة عقدية دقيقة، وهي مسألة "سهو النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة"، والتي قد يتخذها البعض باباً للطعن في كماله البشري. يتساءل الشيخ بلسان الحال: "فقالوا يا سائلي عن سهو رسول الله كيف سهى؟ والسهو لا يكون إلا من قلب غافل عن الله". ثم يأتي الجواب المليء بالأدب النبوي والفهم السليم: "أقول سهى (أنس بالله عما سوى الله)". إن سهو النبي ليس كسهونا الناتج عن وساوس الشيطان أو الانشغال بالدنيا، بل هو استغراق كامل في شهود الجلال والجمال الإلهي، ألهاه عن تفاصيل العالم المادي المحيط به. وقد شرع الله له ذلك ليكون مشرعاً لأمته في أحكام "سجود السهو"، ولتتجلى عبوديته في كل أحواله. إنها حرية مطلقة؛ تحرر من ألم الجسد، وتحرر حتى من ألم الحزن. ويحذرنا الدكتور جابر من أمرين خطيرين في الدنيا يعتبران من أشد قيود الأسر على الروح، وهما ما أسماهما: "المنقوش والمنفوش"، ويقصد بهما (المال والعيال). مستشهداً بقول الحق تبارك وتعالى واصفاً حال المتخلفين عن الركب المحمدي: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ ⁽⁴⁾. فهذا هو القيد الذي يكبل الإنسان ويمنعه من السير إلى الله. أما سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقد كان حراً من ذلك كله، لم تشغله أموال ولا أهلون عن ربه طرفة عين. ويختم الدكتور جابر بغدادي هذا المبحث العميق بخلاصة تبين حقيقة كمال العبودية، موضحاً أن طبيعة الإنسان المركبة تجعل روحه النورانية "أسيرة حبيسة جسمه" الطيني. والسبيل الوحيد لفك هذا الأسر هو عبادة الصيام بمعناها الحقيقي الشامل؛ صيام الجوارح عن المعاصي، وصيام القلب عن التعلق بغير الله. فإذا فعل الإنسان ذلك واتبع خطى الحبيب المصطفى: "رقى، فارتقى، فانتقى، فالتقى". إنها مراتب السلوك المتدرجة؛ يبدأ العبد بالرقي الأخلاقي والفقهي، ثم يرتقي في مقامات الإحسان، فينتقيه الله ويصطفيه، حتى يحظى بلقاء ربه في الدنيا شهوداً بالقلب، وفي الآخرة رؤية بالعين.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.