Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة لكل الأسئلة
تساؤلات القلوب الحائرة وعقبات السائرينسؤال من قلب حائر يبحث عن حرية الروحالسؤال رقم 1

السؤال

أنا أقف في الصلاة وأصوم النهار، ولكنني أشعر بثقل القيود؛ جسدي يئن من الجوع، وعقلي مشغول بضغوط الحياة، ومخاوف الرزق (المال) ، ومشاكل الأسرة (الأهل) . أسمع أن الصيام يحرر الروح، لكنني أشعر وكأنني سجين في جسدي وفي همومي الدنيوية كيف أصل إلى تلك الحرية العظيمة التي كان يعيشها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكيف كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه ولا يشعر بالألم؟ وكيف يغيب قلبه عن الدنيا حتى يسهو عن واقعه المادي؟ دلني يا مربيَّ، فكيف يحررني الصيام من هذه السجون المظلمة؟

أنا أقف في الصلاة وأصوم النهار، ولكنني أشعر بثقل القيود؛ جسدي يئن من الجوع، وعقلي مشغول بضغوط الحياة، ومخاوف الرزق (المال)، ومشاكل الأسرة (الأهل). أسمع أن الصيام يحرر الروح، لكنني أشعر وكأنني سجين في جسدي وفي همومي الدنيوية

كيف أصل إلى تلك الحرية العظيمة التي كان يعيشها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكيف كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه ولا يشعر بالألم؟ وكيف يغيب قلبه عن الدنيا حتى يسهو عن واقعه المادي؟ دلني يا مربيَّ، فكيف يحررني الصيام من هذه السجون المظلمة؟

إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي

تمت المراجعة قبل النشر

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أن الإنسان بطبيعته خلق مكوناً من قبضة طين ونفخة روح، فالروح النورانية أسيرة وحبيسة في قفص هذا الجسد الطيني الثقيل، ولا يمكن لهذه الروح أن تحلق في سماء المعارف والأنوار إلا إذا تخلصت من قيود هذا الجسد وشهواته. إن السر الأعظم في العبادة هو أن تتعبد الله عبادة العبيد من حيث الذلة والانكسار، وأن تعبده عبادة الأحرار من حيث التحرر من كل ما سواه. والصيام يا ولدي ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو "مدرسة الحرية" الحقيقية. وقد كان من كمالات نجاح النبي صلى الله عليه وسلم في صيامه وعبوديته الكاملة لله تعالى أنه تحرر تحرراً مطلقاً من كل قيد دنيوي. تأمل معي حاله؛ لقد كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، متحرراً من قيد الخوف على الرزق، مصداقاً لما صح عنه في الحديث: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان... فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة» (أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما). أرأيت كيف وصفه بالريح المرسلة؟ إنها ذروة الحرية والانطلاق في العطاء دون التفات لحسابات البشر. ولما دخلت العشر الأواخر، تجلت أسمى آيات الحرية؛ فكان يفارق أهله، ويشد مئزره، متحرراً من رغبات النفس وحظوظها. وكان يقوم من الليل حتى تتورم قدماه، وقد تسألني يا ولدي كما سألت: كيف لا يشعر بألم تورم الأقدام؟ وأجيبك بأن الروح إذا حلقت والتذت بمناجاة الحبيب، غاب الجسد بأوجاعه. هو لم يكن يشعر بوطأة جسمه لأنه صلى الله عليه وسلم كان حراً، والحر لا تأسره آلام الطين. ألم تسمع قول السيدة عائشة رضي الله عنها حين سألته إشفاقاً عليه، فأجابها بلسان المحب الحر: «أفلا أكون عبدا شكورا» (متفق عليه). بل إن النبي صلى الله عليه وسلم بلغ من حريته وانعتاقه عن الدنيا أنه في صلاته سهى. وقد يقف العقل القاصر هنا ليتساءل: يا سائلي عن سهو رسول الله، كيف يسهو والسهو لا يكون عادة إلا من قلب غافل؟ فأقول لك: حاشاه أن يغفل عن ربه، بل إن سهوه كان "أنساً بالله عما سوى الله". لقد تحرر من ألم الجسد، وتحرر حتى من ألم الحزن، وغاص في بحار الشهود حتى غاب عن عالم المحسوسات. يا ولدي، إن أخطر فتن الدنيا التي تقيد الإنسان وتجعله عبداً لها هما أمران: "المنقوش والمنفوش"، أعني المال والعيال. وقد سجل القرآن الكريم حال من أسرتهم هذه القيود في قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾. لكن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان حراً، لم تشغله الأموال ولا الأهلون عن مقعد الصدق مع ربه. وكما أشار الإمام تاج الدين بن عطاء الله السكندري (المتوفى سنة 709 هـ، قطب العارفين وصاحب الحكم البليغة) بقوله: "أنت حر مما أنت عنه آيس، وعبد لما أنت له طامع". فبقدر يأسك من الدنيا وطمعك في الله تتحقق حريتك. كمال العبودية يا بني هو كمال الحرية. فإن جاهدت نفسك، وصمت صيام المودع، وكبحت جماح شهواتك، فإن روحك سترقى، وإذا رقت ارتقت في معارج القبول، فإذا ارتقت انتقاها الله واصطفاها لحضرته، فإذا انتقاها التقت بنور ربها وعاشت جنة المعرفة قبل جنة الآخرة. فاجعل صيامك مفتاحاً لقيدك، ولا تجعله مجرد جوع وعطش.

هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.