بقلم: dr.dina
الصيام مدرسة الحرية: كيف ارتقى الحبيب فاستغرق في الأنس؟
الصيام مدرسة الحرية: كيف ارتقى الحبيب فاستغرق في الأنس؟
تعبدوا الله يا ولدي عبادة العبيد تذللاً وخضوعاً، واعبدوه عبادة الأحرار عشقاً ومحبة. وإن الصيام بحق، هو ميدان تلك الحرية الأكبر. ولأجل هذا المعنى الجليل، كان من كمالات نجاح النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم في صيامه وعبوديته المطلقة لله، أنه قد تحرر تحرراً تاماً. تأمل يا ولدي في حاله؛ لقد كان صلوات ربي وسلامه عليه يعطي عطاء من لا يخشى الفقر ⁽¹⁾ كما أورد ذلك الإمام مسلم (ت: ٢٦١ هـ) (إمام أئمة الحديث وحجة الإسلام)؛ وتلك هي الحرية. وكان أجود بالخير من الريح المرسلة ⁽²⁾ كما روى الإمام البخاري (ت: ٢٥٦ هـ) (أمير المؤمنين في الحديث وعمدة المحدثين)؛ وتلك هي الحرية. وكان إذا أقبل عليه زمان القرب يفارق أهله ⁽³⁾؛ وتلك هي الحرية. وكان يشد مئزره ⁽⁴⁾؛ وتلك هي الحرية. وكان يقوم من الليل مناجياً حتى تتورم أقدامه الشريفة ⁽⁵⁾؛ وتلك هي عين الحرية. ولعلك تتساءل يا ولدي في دهشة المحب: وأي حرية تكمن في تورم الأقدام؟ فأجيبك: إن روحه الشريفة لما استغرقت في الحضرة، لم يعد يشعر بكثافة جسمه ولا بآلامه، محلقاً في فضاء الروح. ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حراً طليقاً، حتى إنه في صلاته قد سها ⁽⁶⁾. وهنا ينبري أهل الظاهر متعجبين، فيرد عليهم العارفون وأهل العشق قائلين: "يا سائلي عن سهو رسول الله كيف سها؟ ... والسهو لا يكون إلا من قلب غافل عن الله!" فأقول لك يا ولدي مجيباً بلسان الحقيقة: إنما سها لأنه استغرق في الأنس بالله عما سوى الله. لقد تحرر من ألم الجسد، وتحرر حتى من ألم الحزن، بل وتحرر من أمرين خطيرين هما من أخطر فتن هذه الدنيا الدنية: "المنقوش والمنفوش"، وأعني بهما المال والعيال. فبينما يصرخ أهل الغفلة قائلين: ﴿شَغَلَتۡنَاۤ أَمۡوَ ٰلُنَا وَأَهۡلُونَا﴾ ⁽⁷⁾، نجد أن سيدنا ومولانا محمداً صلى الله عليه وسلم لم تشغله هذه الشواغل قط؛ لأنه الحر حقاً. فما هو كمال العبودية إذن يا ولدي؟ إنه الوصول إلى منتهى الحرية. إن الإنسان بطبيعته التكوينية، روحه أسيرة حبيسة بين جدران جسمه الترابي، فإن هو زكى نفسه، وصام حق الصيام وتحرر من قيود الطين، فإنه يسمو في معارج القرب: رقى، فارتقى، فانتقى، فالتقى.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (عقيدة الحرية في مدرسة الصيام: قراءة عقدية وتزكوية في مقامات العبودية)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (الصيام مدرسة الحرية: قراءة في فقه العبودية والترقي الروحي عند الدكتور جابر بغدادي)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (صيام العارفين ومدرسة الحرية: ارتقاء الروح من أسر الطين إلى أنس رب العالمين)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (الصيام مدرسة الحرية)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (أنا أقف في الصلاة وأصوم النهار، ولكنني أشعر بثقل القيود؛ جسدي يئن من الجوع، وعقلي مشغول بضغوط الحياة، ومخاوف الرزق (المال) ، ومشاكل الأسرة (الأهل) . أسمع أن الصيام يحرر الروح، لكنني أشعر وكأنني سجين في جسدي وفي همومي الدنيوية كيف أصل إلى تلك الحرية العظيمة التي كان يعيشها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكيف كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه ولا يشعر بالألم؟ وكيف يغيب قلبه عن الدنيا حتى يسهو عن واقعه المادي؟ دلني يا مربيَّ، فكيف يحررني الصيام من هذه السجون المظلمة؟)الأسئلة
