Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة الشريعة
إسلاميات وتزكية

فقه الاستعداد لرمضان وعقيدة التوبة في تجليات الجود الإلهي

مقال تفصيلي لفضيلة الدكتور جابر بغدادي، يستنبط فيه المعاني الفقهية والعقدية الدقيقة من ليلة الرؤية واستقبال هلال رمضان، موضحاً فقه التوبة، ومحذراً من الاتكال الخاطئ، ومبيناً أثر أكل الحلال في استجابة القلب لنداء السماء.

استمع لمقال: فقه الاستعداد لرمضان وعقيدة التوبة في تجليات الجود الإلهي

0:000:00

غداً يهل علينا هلال شهر رمضان المبارك، وفي ثنايا هذه الليلة العظيمة أسرار فقهية وعقدية يجب أن تعيها يا ولدي، وتأخذ حذرك في خمس توجيهات جليلة تمثل جوهر فقه الاستعداد. أولاً: فقه التوبة والمبادرة، وعقيدة الاختيار يخبرنا النبي أنه في أول ليلة من رمضان: «فُتحت أبواب الجنان ولم يبق منها باب إلا فُتح، وغُلقت أبواب النيران ولم يبق منها باب إلا غُلق»⁽¹⁾. وتأمل هنا دقة الفقه اللغوي في الحديث الشريف؛ فهو لم يقل "أُغلقت"، بل قال: «غُلقت»، والمبالغة في الحرف والتضعيف هنا إنما هي مبالغة في العطف والرحمة الربانية بإحكام إغلاق أبواب النار. هذا الإغلاق الإلهي يهيئ لك فرصة مدتها ثلاثون يوماً؛ لتكون لك مساحة رحبة في فقه التوبة السريعة والرجوع إلى الله، حتى وإن زلت بك القدم. وهنا تبرز مسألة عقدية هامة؛ فبينما يغلق الحق سبحانه وتعالى عنك باب النار بفضله، يجب أن تحذر من الركون إلى الجبرية أو التواكل، فالله قد أحكم إغلاق النار، فكيف تذهب أنت بفعلك وكسبك السيئ لتفتحها على نفسك؟ إن النجاة هنا تتطلب منك تفعيلاً لإرادتك واختيارك في ترك المعصية، وألا تكون أنت الجاني على نفسك بعد أن وسعتك رحمة الله. ثانياً: فقه العزيمة ومواجهة النفس ومن توجيهات هذه الليلة أنه قد «صُفدت الشياطين ومردة الجن»⁽²⁾، ومعنى التصفيد في الفقه واللغة أن تُكتف أيديهم وأرجلهم بالقيود. وهذا يقرر أصلاً عقدياً بأن المعصية في رمضان إنما تنبع من النفس الأمارة بالسوء التي يجب مجاهدتها، لا من إغواء الشياطين. ومع كل هذا التيسير ورفع العقبات، ألا زلت تُعرض ولا تريد المجيء والإقبال؟ إن الفقه السليم يقتضي منا أن نتساءل: ألا نبادل هذا الجود الإلهي بالشكر العملي؟ ثالثاً: فقه الأولويات وحفظ الحواس وكيف نواجه هذا الكرم والجود؟ إن التطبيق الفقهي العملي لهذا الشكر يتمثل في فقه الأولويات، وحماية منافذ القلب، وذلك بأن نغلق شاشات الهواتف والتلفاز وما يلهي عن ذكر الله، ونُخرج السبحة والمصحف. هذا هو الاستعداد الحقيقي لكي نستمد من أنوار تجلي اسم الله "الجواد". فالصيام ليس مجرد إمساك عن المفطرات الحسية، بل هو صيام الجوارح والقلوب عن المشتتات. رابعاً: فقه أكل الحلال وأثره على البصيرة ثم يصدح منادي الحق: «يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر»⁽³⁾. هذا النداء يتردد، وآذان القلوب السليمة تسمعه. هل تذكر يا ولدي في سالف الأزمان، حين كان الأطفال يخرجون بالفوانيس، فتستنير الشوارع، وتضيء بيوتنا من أثر هذا النداء السماوي؟ السر في ذلك يكمن في فقه المطعم؛ لقد كانت تلك النفوس طاهرة، تأكل الحلال الصرف، ولا تتجرأ على الحرام، فصفت أرواحهم، وسمعوا نداء السماء في أول ليلة من رمضان. إن أكل الحلال شرط فقهي وسبيل روحي لتفتيح بصائر القلوب. خامساً: عقيدة الفضل بين الإقبال والقبول "الإقبال سيكون على مَن؟".. اعلم يا ولدي أنه إذا صح الإقبال منك في أول ليلة، صح لك القبول من الله. ومن كرائم تجليات اسم الله "الجواد" في العقيدة الصحيحة، أن الجوائز والعطايا تبدأ في الهطول قبل أن نقدم عملاً، فلا نحن صمنا بعد ولا قمنا، ومع ذلك ينادي المنادي: «يا باغي الخير أقبل». وهذا إثبات لفضل الله السابق، ولكنه لا يلغي عمل العبد؛ فالنداء يطلب منك "الإقبال" (يا باغي الخير)، فلا تظن أن الفضل يلغي العمل، ولا أن العمل هو الخالق للفضل، بل الفضل من الله، والعمل والنية الخالصة من العبد، وبذلك «ولله عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة»⁽⁴⁾.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

الشيخ جابر بغدادي