أسرار التزكية ومجاهدة النفس لاستقبال نفحات رمضان بشهود تجليات اسم الله الجواد
اعلم يا ولدي أن طريق السير إلى الله تعالى يحتاج إلى يقظة دائمة، ومراقبة دقيقة لنبضات القلب وخفايا النفس، وما من محطة أعظم للتزكية من استقبال شهر رمضان المعظم. وفي هذا المقام، يضعنا المصطفى ﷺ أمام أصول "علم السلوك" في ليلة الرؤية الأولى، حيث يقول: «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صُفدت الشياطين ومردة الجن، وغُلقت أبواب النار فلم يُفتح منها باب، وفُتحت أبواب الجنة فلم يُغلق منها باب»⁽¹⁾. تأمل يا ولدي اللفظ النبوي الشريف؛ فإنه لم يقل "أُغلقت"، بل قال: «غُلِّقت»، والمبالغة في الحرف والتضعيف هنا هي إشارة ذوقية وسلوكية إلى المبالغة في العطف والرحمة الربانية. إن الحق -جل جلاله- يُحكم إغلاق أبواب النيران ليمنحك ثلاثين يوماً من النقاء، لتكون لك فرصة للرجوع إلى مقام "النفس المطمئنة"، حتى وإن زلت بك القدم إلى حضيض المخالفات، فباب النار موصد. وهنا يتساءل العارفون: كيف يُغلق الله عنك باب النار بفضله، ثم تذهب أنت بيدك ورعونة نفسك لتفتحه باختيارك؟ إن هذا هو عين الجهل والعمى عن شهود المنة الإلهية. وفي قوله ﷺ: «وصُفدت الشياطين»؛ أي كُبلت بالسلاسل، سر من أسرار "مجاهدة النفس". فإذا سُلسلت الشياطين وانقطعت وسوستهم، فمن أين تأتي المعصية في رمضان؟ تأتي يا ولدي من "النفس الأمارة بالسوء" التي ألفت الغفلة، ومن العادات السيئة التي استقرت في الباطن. وهنا تتجلى القاعدة الذهبية لأهل التصوف السني المعتمد: لا ترقّي في الحقيقة إلا بالتمسك بالشريعة. فكيف نبادل هذا الجود الإلهي؟ هل نقابله بالغفلة؟ إن الواجب السلوكي يحتم علينا إعلان حالة الاستنفار الروحي، بأن نغلق نوافذ الملهيات، فنطوي شاشات الهواتف والتلفاز التي تشتت القلب، ونُخرج السبحة والمصحف، لنستعد بصدق لاستمداد الأنوار من تجلي اسم الله "الجواد". والذكر والمسبحة هنا ليسا بدعة كما يتوهم المتنطعون المنكرون لرقائق التصوف، بل هما وسيلة شرعية أصيلة لجمعية القلب على الله، وتحقيق "مقام الإحسان". ثم يصدح منادي السماء في تلك الليلة العظيمة، كما ورد في الأثر: «ونادى مناد: يا باغي الخير أقبل»⁽²⁾. هذا النداء الإلهي يتردد في الآفاق، ولكن لماذا لا تسمعه قلوبنا؟ يجيبنا هذا المنهج التربوي ببيان داء القلوب وعلاجها؛ أتذكر يا ولدي زماناً كانت فيه القلوب طاهرة؟ حين كان الأطفال يخرجون بالفوانيس وتستنير الشوارع بوهج الفرحة الروحية؟ السر في ذلك أن تلك النفوس كانت طاهرة، تقتات على "الحلال الصرف"، ولا تتجرأ على الحرام. إن أكل الحلال هو مفتاح "البصيرة"، وهو الذي يجلو مرآة القلب لتسمع نداء السماء. فمن تلطف بطيب المطعم، استنار قلبه، وسمع نداء الحق: "يا باغي الخير أقبل". ويتوج هذا المسار السلوكي بتصحيح الفهم حول العمل والفضل. فإن "الإقبال" إذا صح منك في أول ليلة بصدق الافتقار والتوبة، صح لك القبول من الله. ومن عظيم كرائم تجلي اسم الله "الجواد" في هذه الليلة، أن العطايا والمقامات تُمنح قبل أن يعمل السالك شيئاً، فلا نحن صمنا بعد ولا قمنا، ومع ذلك يهبط الجود: «يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة»⁽³⁾. وهذا يرد بقوة على كل من يظن أن السلوك يعتمد على جهد العبد وكسبه فقط، فالحقيقة أن الأعمال صور قائمة، وأرواحها وجود سر الإخلاص والافتقار فيها، والمنة لله أولاً وآخراً.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (الوصايا الخمس لاستقبال شهر رمضان في ضوء تجليات اسم الله الجواد)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدة الفضل الإلهي وتجليات اسم الله الجواد في استقبال شهر رمضان ومكافحة الجبرية)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (فقه الاستعداد لرمضان وعقيدة التوبة في تجليات الجود الإلهي)الشريعة
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (التوثيق العلمي والمنهجي لوصايا استقبال شهر رمضان في ضوء التصوف السني)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (أجد في قلبي قسوة وفتوراً كلما أقبل شهر رمضان، وأعجب من نفسي؛ فأنا أعلم أن الشياطين تُصفد في هذا الشهر، ومع ذلك تظل جوارحي منغمسة في الملهيات من هواتف وشاشات، وأزل في المعاصي وكأن أبواب الفتن لم تُغلق. أسمع المواعظ تتحدث عن منادي السماء "يا باغي الخير أقبل" ، لكن قلبي أصم لا يشعر بهذا النداء، فكيف أهيئ قلبي لاستقبال هذا الشهر؟ وكيف أنال من جود الله وعطائه وأنا لم أقدم عملاً صالحاً بعد؟)الأسئلة
وقت القراءة 4 دقائق
