بقلم: الشيخ جابر بغدادي
الفرار إلى الله: كيف تحتمي بكهف العناية من مضلات الزمان؟
الفرار إلى الله: كيف تحتمي بكهف العناية من مضلات الزمان؟
الفرار إلى الله: كهف النجاة من مضلات الزمان يا ولدي، كن على خطى أهل الكهف؛ أولئك الفتية الذين تلفتوا يَمْنَةً ويَسْرَةً، فرأوا الخلائق بأسرها قد ركنت إلى عوائد دنيوية لا تنفع عند الله، ولا تزن في ميزان الحق جناح بعوضة، فما كان منهم إلا أن أقبلوا بقلوبهم متجردين إلى مولاهم. وقد ناداهم الحق جل جلاله مرشداً وموجهاً: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾⁽¹⁾، وسر هذه الآية وروحها يناديك في كل عهد: أقبل عليَّ يا عبدي، واقترب من رحابنا خطوة؛ خطوة تسير بها إلينا متجرداً، لتسير بعد ذلك بنا في حضرة القدس محمولاً على كفوف العناية. هجران صحبة السوء والخطوة نحو الحضرة حين تُبتلى يا ولدي بصحبة غافلة تدلك على دروب الشر ومتاهات الغواية، وتجد نفسك محاصراً في بيئة طغت عليها المنكرات، فالنجاة هنا تكمن في أن تبتعد خطوة. إن معنى (الكهف) في حقيقته الروحية هو أن تخطو مبتعداً عن السوى متبرئاً من حولك وقوتك، خطوة واحدة بيقين، ليقول لك لسان العناية الإلهية: سر إلينا خطوة، لنسير بك إلى المنتهى. وهذا المعنى الجليل هو ذاته ما يفيض به الحديث القدسي الشريف الذي أخرجه الإمام أبو عبد الله البخاري (ت: ٢٥٦ هـ) (أمير المؤمنين في الحديث) حيث يقول المولى عز وجل: «وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً»⁽²⁾. الكهف الإلهي: مطار الأرواح إلى دولة الحقيقة وكأن لسان الحال الرباني ينادي أرواحنا الحائرة: تعالوا إلى رحاب الكهف، لأحملكم إلى زمنٍ تصفو فيه أرواحكم وتعرفون كيف تحيون فيه حياة الطيبيين. تعالوا لنجعل من الكهف محطة ربانية ومِعراجاً، أشبه بمطار روحي، آخذكم منه لأسير بكم إلينا في حفظ لا تشوبه شائبة. إنه سير يأويكم في كنف الله، حيث تتوقف عجلة الزمن فلا تغيركم حوادثه العاصفة، ولا تطرأ على أجسادكم علل الفناء والنقص الإنساني. أنتم في كنفي، في حفظي، وفي حصن حمايتي، تتنزل عليكم بشائر الوعد الحق: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا﴾⁽³⁾. خرق العوائد والمبادرة بالإقبال ولأجل هذا التجرد الخالص، خرق الله لهم عوائد الكون الصارمة، وجمّد لهم حركة الزمن، فأوقفه عند عتباتهم. ولنا في أنبياء الله أسوة بالغة في هذا الفرار؛ فها هو خليل الرحمن حين تبدل عليه الزمن واشتدت غربته بين قومه، قال كلمته الخالدة: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾⁽⁴⁾. فإلى أين كان مسراه؟ لقد كان يُعرض بقلبه عن زمانه، ويفر من مضلات وقته، ليقبل بكليته على الله. وكذلك كليم الله موسى -عليه السلام- حين صدع بكلمة الشوق والمحبة: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾⁽⁵⁾، إلى أين كان يمد خطاه مسرعاً؟ إن هذه العجلة المذكورة هنا ليست إلا عجلة الفرار من المعاصي والهروب من سواد الوقت إلى نور الإقبال التام على الله جل جلاله. التجلي الإلهي وأسرار الأحوال التي غلبت الظواهر إن أهل الكهف قد خُرقت لهم القوانين، وتبدلت لأجلهم العادة الجسمانية والكونية المألوفة. وكيف لا؟ وقد أعطوا ظهورهم لهرج الوقت وفتن الزمان، فولجوا آمنين في (دولة الحقيقة). وما دام الإنسان قد أقبل بصدق وسلّم أمره لله، فإن أجره ورعايته تقع على الله وحده. إنني يا ولدي، حين أقرأ قصة أهل الكهف، أستشرف فيها حال العبد العارف حين يترك هرج الزمان خلف ظهره؛ فبينما يتخبط الناس في الغلطات والزلات، نلوذ نحن بربنا ونفر إليه. ولكن، كيف لك أن تتحدث عن مقامات أهل الكهف؟ لقد أدبنا القرآن الكريم في شأنهم قائلاً: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾⁽⁶⁾؛ أي اقتصر في الحديث على ظاهر الأمر ومبناه، كأن تقول إنهم سبعة وثامنهم كلبهم، وإياك أن تتعدى هذا الظاهر لتغوص في كنه سرهم ومقامهم. ولماذا هذا التحذير؟ لأن العقول البشرية لا طاقة لها بتحمل أحوالهم الباطنة. إنهم أناسٌ تم التجلي الإلهي على بشريتهم، حتى إن الأجساد لم تتعفن ولم تبلَ على مدار ثلاثمائة وتسع سنين كاملة، لقد استضاءت بواطنهم وتجلت عليهم الأنوار، فغلبت أحوالهم الربانية على ظواهرهم الطينية.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (عقيدة الفرار إلى الله: أسرار التوكل وخرق العوائد في قصة أهل الكهف)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه العزلة والفرار إلى الله: الأحكام الشرعية المستنبطة من اعتزال أهل الكهف لمضلات الزمان)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (أسرار الكهف الروحي ومقامات الفرار إلى الله: رؤية تأصيلية في التصوف السني المعتدل)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (التوثيق العلمي لدرس الفرار إلى الله وكهف النجاة من مضلات الزمان)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (كيف أنجو بديني في مجتمع يعج بالغفلة وصحبة السوء؟)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (كيف أتخلص من قيود العادات وأمتلك عجلة الشوق للفرار من ذنوبي؟)الأسئلة
