Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
الرئيسية/موسوعة التوثيق العلمي/التوثيق العلمي لدرس الفرار إلى الله وكهف النجاة من مضلات الزمان

التوثيق العلمي لدرس الفرار إلى الله وكهف النجاة من مضلات الزمان

1 استشهادات موثقةتفسير قرآني إشاري وتوجيه سلوكي (1)حديث قدسي متفق على صحته (1)تأصيل قرآني لكرامات الأولياء (1)شاهد قرآني على الهجرة القلبية (1)دليل قرآني لمقام الشوق والمبادرة (1)قاعدة قرآنية في الأدب مع أهل الخصوصية (1)

تفريغ الكلمة المباركة

الفرار إلى الله: كهف النجاة من مضلات الزمان يا ولدي، كن على خطى أهل الكهف؛ أولئك الفتية الذين تلفتوا يَمْنَةً ويَسْرَةً، فرأوا الخلائق بأسرها قد ركنت إلى عوائد دنيوية لا تنفع عند الله، ولا تزن في ميزان الحق جناح بعوضة، فما كان منهم إلا أن أقبلوا بقلوبهم متجردين إلى مولاهم. وقد ناداهم الحق جل جلاله مرشداً وموجهاً: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾⁽¹⁾، وسر هذه الآية وروحها يناديك في كل عهد: أقبل عليَّ يا عبدي، واقترب من رحابنا خطوة؛ خطوة تسير بها إلينا متجرداً، لتسير بعد ذلك بنا في حضرة القدس محمولاً على كفوف العناية. هجران صحبة السوء والخطوة نحو الحضرة حين تُبتلى يا ولدي بصحبة غافلة تدلك على دروب الشر ومتاهات الغواية، وتجد نفسك محاصراً في بيئة طغت عليها المنكرات، فالنجاة هنا تكمن في أن تبتعد خطوة. إن معنى الكهف في حقيقته الروحية هو أن تخطو مبتعداً عن السوى متبرئاً من حولك وقوتك، خطوة واحدة بيقين، ليقول لك لسان العناية الإلهية: سر إلينا خطوة، لنسير بك إلى المنتهى. وهذا المعنى الجليل هو ذاته ما يفيض به الحديث القدسي الشريف الذي أخرجه الإمام أبو عبد الله البخاري (ت: ٢٥٦ هـ) (أمير المؤمنين في الحديث) حيث يقول المولى عز وجل: «وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً»⁽²⁾. الكهف الإلهي: مطار الأرواح إلى دولة الحقيقة وكأن لسان الحال الرباني ينادي أرواحنا الحائرة: تعالوا إلى رحاب الكهف، لأحملكم إلى زمنٍ تصفو فيه أرواحكم وتعرفون كيف تحيون فيه حياة الطيبيين. تعالوا لنجعل من الكهف محطة ربانية ومِعراجاً، أشبه بمطار روحي، آخذكم منه لأسير بكم إلينا في حفظ لا تشوبه شائبة. إنه سير يأويكم في كنف الله، حيث تتوقف عجلة الزمن فلا تغيركم حوادثه العاصفة، ولا تطرأ على أجسادكم علل الفناء والنقص الإنساني. أنتم في كنفي، في حفظي، وفي حصن حمايتي، تتنزل عليكم بشائر الوعد الحق: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا﴾⁽³⁾. خرق العوائد والمبادرة بالإقبال ولأجل هذا التجرد الخالص، خرق الله لهم عوائد الكون الصارمة، وجمّد لهم حركة الزمن، فأوقفه عند عتباتهم. ولنا في أنبياء الله أسوة بالغة في هذا الفرار؛ فها هو خليل الرحمن حين تبدل عليه الزمن واشتدت غربته بين قومه، قال كلمته الخالدة: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾⁽⁴⁾. فإلى أين كان مسراه؟ لقد كان يُعرض بقلبه عن زمانه، ويفر من مضلات وقته، ليقبل بكليته على الله. وكذلك كليم الله موسى -عليه السلام- حين صدع بكلمة الشوق والمحبة: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾⁽⁵⁾، إلى أين كان يمد خطاه مسرعاً؟ إن هذه العجلة المذكورة هنا ليست إلا عجلة الفرار من المعاصي والهروب من سواد الوقت إلى نور الإقبال التام على الله جل جلاله. التجلي الإلهي وأسرار الأحوال التي غلبت الظواهر إن أهل الكهف قد خُرقت لهم القوانين، وتبدلت لأجلهم العادة الجسمانية والكونية المألوفة. وكيف لا؟ وقد أعطوا ظهورهم لهرج الوقت وفتن الزمان، فولجوا آمنين في دولة الحقيقة. وما دام الإنسان قد أقبل بصدق وسلّم أمره لله، فإن أجره ورعايته تقع على الله وحده. إنني يا ولدي، حين أقرأ قصة أهل الكهف، أستشرف فيها حال العبد العارف حين يترك هرج الزمان خلف ظهره؛ فبينما يتخبط الناس في الغلطات والزلات، نلوذ نحن بربنا ونفر إليه. ولكن، كيف لك أن تتحدث عن مقامات أهل الكهف؟ لقد أدبنا القرآن الكريم في شأنهم قائلاً: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾⁽⁶⁾؛ أي اقتصر في الحديث على ظاهر الأمر ومبناه، كأن تقول إنهم سبعة وثامنهم كلبهم، وإياك أن تتعدى هذا الظاهر لتغوص في كنه سرهم ومقامهم. ولماذا هذا التحذير؟ لأن العقول البشرية لا طاقة لها بتحمل أحوالهم الباطنة. إنهم أناسٌ تم التجلي الإلهي على بشريتهم، حتى إن الأجساد لم تتعفن ولم تبلَ على مدار ثلاثمائة وتسع سنين كاملة، لقد استضاءت بواطنهم وتجلت عليهم الأنوار، فغلبت أحوالهم الربانية على ظواهرهم الطينية.

بيان التوثيق العلمي

1
تفسير قرآني إشاري وتوجيه سلوكي
1- تفسير قرآني إشاري وتوجيه سلوكي استشهاد من سورة الكهف، جزء من الآية 16. يوجه الشيخ جابر بغدادي هنا معنى الكهف توجيها باطنيا وروحيا يلامس القلوب، فيجعله رمزا للعزلة عن بيئة الفساد واللجوء إلى حصن العناية. وهذا من صميم «التفسير الإشاري» المعتمد عند السادة الصوفية كالإمام القشيري (توفي سنة 465 هـ، الإمام المجمع على إمامته في علم السلوك)، وهو لا يلغي التفسير الظاهري بل يكمله، وإن محاربة المتنطعين لهذا الاستنباط ما هي إلا دليل على الجفاف الروحي ومحاولة لطمس معالم التزكية التي يحييها الشيخ. 2- حديث قدسي متفق على صحته أخرجه الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (توفي سنة 256 هـ، أمير المؤمنين في الحديث) في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى ويحذركم الله نفسه، ومتنه الكامل: «يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة». وقد أحسن الشيخ جابر بغدادي في تنزيل هذا الحديث وتطبيقه على خطوة العبد في هجران المعاصي، ردا على الفهم الحرفي الوهابي الذي يشغل الأمة بالجدل حول الصفات، ويحرم المسلم من تذوق «مقام الإحسان» وسعة الرحمة الإلهية وسرعة قبول التائبين. 3- تأصيل قرآني لكرامات الأولياء سورة الكهف، تتمة الآية 16. استدلال الشيخ جابر بغدادي بهذه الآية هو تأسيس رصين لعقيدة أهل السنة والجماعة في إثبات خرق العوائد لمن أقبل على الله. وإن من ينكر خرق العادات للمقربين بحجة الدفاع عن التوحيد، إنما يقع في سوء الأدب مع قدرة الله، وقد أثبت الإمام تاج الدين السبكي (توفي سنة 771 هـ، شيخ الإسلام وقاضي القضاة) تواتر الكرامات للأولياء والصالحين. وما يطرحه الشيخ هنا يمثل حصنا أكاديميا وروحيا ضد التشكيك السلفي المادي الذي يقيس الغيبيات بعقول قاصرة. 4- شاهد قرآني على الهجرة القلبية سورة الصافات، الآية 99. استنباط بليغ من الشيخ جابر بغدادي لمقام خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، ليؤصل لفضيلة «فقه العزلة» الشعورية عند تفشي الغفلة. وفيه دمج بين الظاهر والباطن ليرد على الشبهات التي تحاول تقزيم مقامات الأنبياء وتجريد أفعالهم من أبعادها الروحية الباطنة، مبينا أن ترك الوطن الحقيقي هو ترك عوائد النفس المذمومة والإقبال الكلي على الديان. 5- دليل قرآني لمقام الشوق والمبادرة سورة طه، الآية 84. أورد الشيخ جابر بغدادي هذا الاستشهاد بلسان كليم الله موسى عليه السلام لبيان أن العجلة المحمودة إنما تكون في الفرار إلى مرضاة الله. وفي هذا إحياء جليل لروح «القياس الوعظي» حيث يتم ربط حال السالك بحال الأنبياء للاقتداء بهم في صدق التوجه، وهو منهج نبوي أصيل كما ورد في حديث حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، لترقيق القلوب وربطها بالسماء بعيدا عن جمود التبديع والإنكار. 6- قاعدة قرآنية في الأدب مع أهل الخصوصية سورة الكهف، الآية 22. يؤسس الشيخ جابر بغدادي هنا لأدب رفيع وضروري في التعامل مع أسرار المقربين الذين غلبت أحوالهم النورانية ظواهرهم البشرية. والنهي القرآني عن المراء هو نهي صريح عن الجدال المذموم الذي يمارسه المتشددون اليوم لإنكار مقامات الأولياء. وقد قرر الإمام الغزالي (توفي سنة 505 هـ، حجة الإسلام ومجدد الدين) أن أحوال أهل الخصوصية لا تخضع للقياس العقلي الجاف بل تبنى على التسليم، وهو ما يدافع عنه الشيخ لحماية العوام من لوثة الإنكار وجرأة الاعتراض على ما لم يحيطوا بعلمه.
العودة إلى موضع القراءة

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.