السؤال
كيف أنجو بديني في مجتمع يعج بالغفلة وصحبة السوء؟
"أعيش في زمان كثرت فيه الفتن، وأحيطت بي بيئة تعج بالمنكرات والغفلة. كلما حاولت الاستقامة، شدتني صحبة السوء وعوائد المجتمع الدنيوية إلى الأسفل. أشعر بالغربة وبأن إيماني يضعف يوماً بعد يوم، ولا أدري كيف أفر بديني وأحمي قلبي من هذا الانجراف الموحش؟"
إجابة مستنبطة من حديث الدكتور جابر بغدادي
تمت المراجعة قبل النشربسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد العالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم يا ولدي أن الغربة التي تشعر بها في صدرك هي من علامات حياة القلب، وأن الشكوى من صحبة السوء هي بداية الطريق نحو البحث عن صحبة الحق جل جلاله. يا بني، كن في زمانك هذا على خطى الفتية الصادقين، أهل الكهف؛ أولئك الذين تلفتوا يَمْنَةً ويَسْرَةً في مجتمعهم، فوجدوا الخلائق كلها قد ركنت إلى عوائد دنيوية لا تنفع عند ربنا، ولا تزن في ميزان الحق جناح بعوضة. فماذا كان صنيعهم؟ لم يذوبوا في البيئة الفاسدة، بل أقبلوا بكليتهم إلى الله. لقد ناداهم الحق سبحانه وتعالى بنداء العناية: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾، وهذا النداء الخالد يحمل معنىً روحياً عميقاً لك في كل زمان؛ معناه الحقيقي: أقبلوا عليَّ. يخبرك مولاك أن تقترب منه خطوة، خطوة واحدة تتجرد فيها من بيئتك الغافلة، لتسير بها إليه، فيدخلك في حضرة تسير فيها بعنايته لا بحولك وقوتك. حين تبتلى بصحبة سيئة يدلونك على الشر، وتجد نفسك في بيئة تتخطفها المنكرات، فإن النجاة لا تتطلب منك المستحيل، بل تتطلب أن "تبتعد خطوة". إن الكهف الذي نلجأ إليه في زماننا هو تلك العزلة القلبية عن السوى، أن تبتعد خطوة بيقين صادق، ليقول لك لسان العناية: سر إلينا خطوة، تسير بنا إلى المنتهى. وهذا مصداق التوجيه النبوي في الحديث القدسي الذي أخرجه الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (المتوفى سنة ٢٥٦ هـ، أمير المؤمنين في الحديث وإمام أهل الجرح والتعديل) حيث يقول الحق تبارك وتعالى: «وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً». إن الله يناديك لتدخل في رحمته، وكأنه يقول: تعالوا إلى رحاب الكهف، لأحملكم إلى زمن تصفو فيه أرواحكم وتعرفون كيف تحيون فيه. الكهف هنا بمثابة محطة أو "مطار" إيماني، يأخذكم الله منه ليسير بكم إليه في حفظ وسير يأويكم، فلا حوادث الزمن تغيركم، ولا علل الجسد تطرأ عليكم، بل تبقون في كنف الله وحفظه، تتنزل عليكم بشائر الوعد: ﴿يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا﴾. فلا تيأس يا ولدي، واهجر مجالس الغفلة لتنعم بمجالسة الرحمن.
هذه الإجابة مستنبطة من حديث الشيخ، ويمكنك مشاهدة الفيديو الأصلي من هنا.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (الفرار إلى الله: كيف تحتمي بكهف العناية من مضلات الزمان؟)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدة الفرار إلى الله: أسرار التوكل وخرق العوائد في قصة أهل الكهف)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (فقه العزلة والفرار إلى الله: الأحكام الشرعية المستنبطة من اعتزال أهل الكهف لمضلات الزمان)الشريعة
- يمكنك التعرف على منهج التزكية والسلوك في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (أسرار الكهف الروحي ومقامات الفرار إلى الله: رؤية تأصيلية في التصوف السني المعتدل)التزكية والتصوف
- إليك التوثيق العلمي الدقيق لما ورد في هذا الفيديو عبر موسوعتنا العلمية الشاملة (التوثيق العلمي لدرس الفرار إلى الله وكهف النجاة من مضلات الزمان)التوثيق العلمي
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (كيف أتخلص من قيود العادات وأمتلك عجلة الشوق للفرار من ذنوبي؟)الأسئلة
