Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة التزكية
التزكية والتصوف

أسرار الكهف الروحي ومقامات الفرار إلى الله: رؤية تأصيلية في التصوف السني المعتدل

يكشف الدكتور جابر بغدادي بأسلوب صوفي بليغ عن أسرار مجاهدة النفس والفرار إلى الله من مضلات الزمان، موضحاً كيف يترقى السالك عبر "الكهف الروحي". ويعالج المقال أمراض القلوب، مؤصلاً لمنهج التصوف السني المعتدل، ومثبتاً التلازم الحتمي بين الشريعة والحقيقة.

التلازم بين الشريعة والحقيقة في طريق الوصول يا ولدي، اعلم أرشدك الله لرضاه، أن السير في طريق القوم وتزكية النفوس ليس ادعاءً باللسان، ولا إسقاطاً للتكاليف الشرعية تحت دعوى بلوغ "الحقيقة"؛ فالتصوف السني المعتمد، الذي سار عليه سيدي الإمام الجنيد البغدادي (ت: ٢٩٧ هـ، سيد الطائفة وإمام السالكين)، وسيدي الإمام أبو حامد الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ، حجة الإسلام ومجدد علوم الدين)، ينبني على تعميق العبودية وإحياء روح العبادات المفروضة. وإن القاعدة الذهبية التي لا نحيد عنها قيد أنملة هي: "كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة بالصحة فهي زندقة"⁽¹⁾. فالتصوف في جوهره هو عين "مقام الإحسان" الذي نص عليه نبينا المصطفى حين قال: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ»⁽²⁾. فمن أراد الترقي من حضيض "النفس الأمارة بالسوء" إلى مقام "النفس اللوامة" ثم بلوغ شاطئ "النفس المطمئنة"، فليلزم شرع الله ظاهراً وباطناً. الكهف الروحي: هجران الغفلة وعلاج أمراض القلوب يا ولدي، إذا نظرت حولك ووجدت الزمان قد تكالبت فيه الفتن، فكن على قدم الصدق الذي يوجهنا إليه فضيلة الدكتور جابر بغدادي مستلهماً قصة الفتية؛ حيث يقول: "يا ابني خليك زي أهل الكهف، اتلفتوا يمين وشمال لقوا الناس كلها على عوائد ما تنفعش عند ربنا، فأقبلوا إلى الله". إن أمراض القلوب من عُجب، وكبر، ورياء، وحب للظهور، لا تنمو إلا في مستنقع الغفلة وصحبة السوء التي تدل على الشر. وعلاج ذلك في شرعنا وسلوكنا هو العزلة الشعورية وهجران بيئة المنكرات. لقد ناداهم الحق جل جلاله مرشداً: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾⁽³⁾. والكهف هنا ليس مجرد شق في جبل، بل معناه الروحي هو: أقبلوا عليَّ. يخبرك مولاك: "قرب مننا خطوة، خطوة تسير بها إلينا، حضرة تسير فيها بنا". حين تكون في بيئة تعج بالمنكرات، فإن المطلوب منك مجاهدة النفس بأن تبتعد خطوة واحدة بصدق، ليقول لك لسان العناية: "وأنا أسير بك، سر إلينا خطوة تسير بنا إلى المنتهى". وفي هذا المعنى الجليل يتجلى الحديث القدسي الذي أخرجه الإمام البخاري (ت: ٢٥٦ هـ، أمير المؤمنين في الحديث): «وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً»⁽⁴⁾. الكهف هو مطار الأرواح، محطة تنقلك من هرج الزمان إلى حضرة الأمان، حيث تتنزل البشائر: ﴿يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا﴾⁽⁵⁾. عجلة المحبين: الشوق والفرار من مضلات الزمان السالك الصادق يا ولدي لا يلتفت إلى الوراء، بل تحركه عجلة الشوق ليفر من ذنوبه وعيوبه. تأمل حال خليل الرحمن إبراهيم -عليه السلام- حين تبدل عليه الزمن واشتدت غربته بين قومه المشركين، فأعلن صيحته الإيمانية قائلاً: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾⁽⁶⁾. إلى أين كان راكضاً؟ لقد كان يعرض بقلبه عن مضلات وقته ويقبل بكليته على الله. وتأمل كذلك كليم الله موسى -عليه السلام- في مقام المحبة والمجاهدة حين قال: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾⁽⁷⁾. إن العجلة هنا ليست عجلة دنيوية مذمومة، بل هي عجلة الفرار من المعاصي والآثام هرباً إلى أنوار الطاعات. وما دام الإنسان قد أقبل على الله متجرداً من حوله وقوته، فإن أجره ورعايته تقع على الله جل جلاله، فيدخله في "دولة الحقيقة" التي يغيب فيها العبد عن حظوظ نفسه ليحيا بنور ربه. الرد على المتنطعين: التجلي الإلهي وكرامات الأولياء وإن تعجب يا ولدي من هجوم بعض الجفاة والمتنطعين الذين يرمون التصوف، ومجالس الذكر الجماعي، ومشروعية التعلق بالأولياء ومحبتهم بالبدعة أو الشرك، فاعلم أن طريقنا هذا مؤسس على صريح الكتاب والسنة. إن أهل الكهف لما أعطوا ظهورهم لفساد الوقت، خرق الله لهم القوانين الكونية والعادة الجسمانية، فلم تتعفن أجسادهم طيلة ثلاثمائة وتسع سنين. وهذا دليل ساطع على إثبات كرامات الأولياء والصالحين الذين أحبوا الله فأحبهم. ولذلك، يؤدبنا القرآن في شأن مقامات الأولياء وأحوالهم العالية بأن نقف عند حدود الأدب والتسليم، فقال تعالى: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾⁽⁸⁾. اقتصر في الحديث على الظاهر كأن تقول: سبعة وثامنهم كلبهم، وإياك أن تتعدى بالإنكار على سرائرهم؛ لأن العقول العادية لا تتحمل أحوالهم. إنهم أناس تم التجلي الإلهي على بشريتهم فاستضاءت بواطنهم، حتى غلبت أحوالهم الربانية على ظواهرهم الطينية. فاجعل قلبك يا ولدي وعاءً للحب الإلهي، والزم مجالس الذكر والصحبة الصالحة، تنل نفحات القوم وتدخل في حصن العناية.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة 5 دقائق