بقلم: الشيخ جابر بغدادي
كيف تكون رفيقاً للنبى في الجنة
كيف تكون رفيقاً للنبى في الجنة
لست قادراً على تذوق حلاوة الفرح؛ أتدري لماذا يا ولدي؟ لأنك لم تعرف طريقاً لإدخال السرور على قلب غيرك. لنا أن نتساءل: لِمَ ضاقت علينا أرزاقنا ومعايشنا؟ إنما حدث ذلك لأن نفوسنا قد جُبلت على الشره، فصرنا لا نشبع أبداً.
يُروى في درر الأاثر أن زوجة أمير المؤمنين، سيدنا عمر بن الخطاب (أبو حفص العدوي القرشي، الملقب بالفاروق، ثاني الخلفاء الراشدين، المتوفى سنة 23 هـ) اشتهت يوماً شيئاً من الحلوى، فما كان منه إلا أن قال لها: "ومن أين لنا بثمن الحلوى؟" فعمدت إلى تدبير أمرها واقتطاع جزء يسير من نفقتهم اليومية حتى جمعت ثمنها، فلما رأى ذلك سألها: "من أين لكِ بثمن هذه الحلوى؟" فأجابته: "لقد وفرتها من نفقتنا". فقال قولته الشهيرة التي تُكتب بماء الذهب: "إذن نحن قادرون على العيش بما هو أقل من ذلك، ردي هذا المال إلى بيت مال المسلمين"⁽¹⁾.
ولقد كان هناك صحابي جليل من أصحاب الحبيب المصطفى ﷺ، ألا وهو سيدنا ربيعة بن كعب الأسلمي (أبو فراس، خادم رسول الله ﷺ ومن أهل الصُّفّة، المتوفى سنة 63 هـ)، وقد قال له سيدنا رسول الله ﷺ ذات مرة: «سَلْ»⁽²⁾. هكذا يا ولدي، فإن الخدمة الصادقة توصل المرء إلى مقامات التمني ودلال المحبين. قال له: "أخبرني بطلباتك وتدلل". أتدرون لماذا؟ لأنه كان خادماً متفانياً. فما الذي يجعل النبي ﷺ يقول لك: «سَلْ»؟ إنما هي الخدمة؛ فالأمر ليس مجرد كلمات تُقال أو شعارات تُرفع، بل هي أفعال لها شواهد جليلة تتجلى في عالم الشهادة.
فلما قال له: «سَلْ»، أطرق الصحابي ملياً متفكراً، فلم يختر من خيري الدنيا والآخرة سوى أن قال: «مُرَافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ». فبماذا أجابه النبي ﷺ؟ قال له: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ»⁽³⁾. وهنا ملمح لطيف، لِمَ لم يقل له: أكثر من السجود لله هكذا مباشرة؟
إن في هذه الكلمة أسراراً وألفاظاً أربعاً خطيرة؛ أولها أن الصحابي الجليل لم يختر سوى النبي ﷺ، فهو لم يقل "الجنة" ذاتها، بل طلب ما هو أعظم وأبعد غاية من الجنة، وهو أن يكون في معيته ﷺ. إن هممنا يا ولدي غالباً ما تقف عند حدود الجدران والمطالب الحسية، أما هو فقد دخل في مقام الوفاء بالخدمة والاكتفاء بالغاية العظمى حين قال: «مُرَافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ».
فقال له النبي ﷺ: «فَأَعِنِّي»، ولم يقل له: "اسجد"، ليدلك على أن سجودك وصلواتك إنما هي وسيلة، وليست سبباً واضحاً مستقلاً يُدخلك الجنة، خاصة وأنك قد طلبت جوار الحبيب في الجنة، ولم تطلب الجنة فحسب؛ بل طلبت جَنَّة الجنة، طلبت أسمى وأعلى ما يُقصد من وراء الجنة. لذا قال: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ».
إذاً، ما الذي يحول بينك وبين ما تطلب؟ هل السجود هو ما بينك وبين مرادك؟ كلا، فالسجود وسيلة. إنما الحجاب الحقيقي هو "أنت"، ونفسك التي بين جنبيك. فسجودك المجرد ليس كافياً لبلوغ هذه الرتبة العالية، ولهذا كان المعنى: "ساعدني بسجودك، لأنني أنا من سيفتح لك هذا الباب بفضل الله". فلو كان هناك سجود ولكن مع بقاء رعونات النفس، فلن تصل. ولو وُجد السجود، ولكنك لم تظفر بمدد ومساعدة من سيدنا رسول الله ﷺ، فلن تبلغ المقصود.
وكأن لسان حال النبي ﷺ يقول: "وهذا الجوار هو داري، ولا يدخل الدار أحد إلا بإذن صاحب الدار". ثم اعلم يا ولدي، أن هناك بوناً شاسعاً وفرقاً كبيراً بين أن أجلد ذاتي وأؤذي نفسي، وبين أن أهذبها وأكرمها. إن شريعة الإسلام، وما تضمنته من صلاة وعبادة وزكاة وحج وسائر الرسوم التعبدية، إنما هي في حقيقتها مجرد مخالفة للنفس بُغية إصلاحها، والوصول بها إلى رتبة الصحة والسلامة النفسية.
ليس المراد أبداً أن أُقيدها وأعذبها، حاشا لله! فكيف يكون ذلك؟ انظر يا ولدي إلى ما تشتهيه النفس؛ فإن كانت ترغب في الركون إلى النوم، فإننا نقوم لنقف بين يدي الله ونصلي. وإن كانت تشتهي أن تأكل وتشرب وتحوش الأموال وتكنزها، فإننا نتصدق ونصوم ونجوعها قليلاً. ولنا أن نتساءل: لماذا نفعل ذلك؟ لأن هذا الترويض والمخالفة هو ما ينقلني من دركات الطبع البهيمي إلى درجات الصفاء الملائكي.
فإذا ابتعت "جلابية" وسترت بها عورة إنسان آخر، فإن الحق سبحانه وتعالى، مرة تلو أخرى، سيقذف دفء ذلك الثوب نوراً في قلبك، وسيلقي الله عز وجل حلاوة تلك الحلوى التي أطعمتها لغيرك لِتتذوقها أنت في روحك ووجدانك.
وفي كل مرة تصنعين فيها طعاماً، سواء كان نفيساً غالي الثمن أو يسيراً رخيصاً، ثم تُطعمين منه أحداً، فإنكِ ستجدين حلاوة هذه اللقمة ولذتها تسري في فيكِ. ولو أننا اعتدنا كل شهرين أو ثلاثة أن نعمل فرزاً لخزائن ثيابنا ومقتنياتنا (الدولاب)، لنرى ما هي الأثواب التي لسنا بحاجة إليها ونهبها لغيرنا، فإنكم والله ستجدون حلاوة هذا الستر وبركته تتلألأ في قلوبكم.
إذن، كيف نخالف أنفسنا؟ يكون ذلك ببذل العطاء، وبمكابدة قيام الليل، وبكثرة السجود. ولنا أن نتساءل: لماذا كثرة السجود؟ هل المراد أن أبقى ساجداً من أجل الحركة الظاهرة فحسب؟ كلا، ليس السجود لمجرد حركة البدن، إنما السجود الكثير يعني في حقيقته الباطنة أنني قد اكتفيت بربنا جل جلاله واستغنيت به عمن سواه.
