بقلم: الشيخ جابر بغدادي
تجليات الشكر في مآقي الشهود: رحلة قلبٍ لا يعرف إلا الامتنان
تجليات الشكر في مآقي الشهود: رحلة قلبٍ لا يعرف إلا الامتنان
## الشكرُ ترجمانُ الشهودِ ومقامُ الخواصِّ يا ولدي، إنَّ القليلَ من العبادِ مَن يمتلكون بصيرةَ الشاكرين؛ فلقد جُبِلَت النفوسُ على الغفلة، وما إن يغشى القلبَ حجابُ الغفلةِ حتى تراه يلهجُ بالشكوى بدلاً من الثناء، ويهوي في بئر التبرمِ عوضاً عن السكينة. اعلمْ يا بني، أنَّ الشكرَ ليس مجردَ كلمةٍ تجري على اللسان، بل هو "ترجمانُ الشهود"؛ فمن شهدَ المنعِمَ في كلِّ تفاصيلِ حياتهِ، لم يملك إلا أن يشكر. قال الله تعالى في مُحكم التنزيل: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾⁽¹⁾. إنَّ اللهَ جلَّ جلالُه ليرضى عن العبدِ الذي يقفُ عند كلِّ نعمةٍ، صغيرةً كانت أو كبيرةً، فيحُمدُ اللهَ عليها، وكأنَّ لسانَ حالِه يقول: "يا ربِّ، كلُّ ما يأتي منكَ جميلٌ".
## بينَ أذى الحبِّ وعزيمةِ الرسلِ تأمل معي يا ولدي في هذا البيتِ الذي يصفُ حالَ العارفِ الذي استقرت أنوارُ المحبةِ في سويداءِ قلبِه: "وكلُّ أذى في الحبِّ منك إذا بدا .. جعلتُ له شكري مكانَ شكايةِ" فأينَ الصفا الذي يطلبهُ العبادُ في دُنياهم؟ إنَّ "الصفا" مطلبٌ عزيزٌ، وهيهاتَ أن يدركَهُ إلا مَن وطّنَ نفسَه على أنَّ جنةَ اللهِ لا تُنالُ إلا بالمكارهِ. فإن خطرتْ لكَ في غيرِ حضرةِ محبوبِكَ إرادةٌ -أي لو نازعتكَ نفسُك إلى اختيارٍ غيرِ اختيارِ اللهِ على سبيلِ السهوِ- فاعلمْ أنَّ في ذلكَ شقوتَكَ، فاحذر أن تزيغَ عينُ القلبِ عن وجهةِ التوحيدِ.
## نوحٌ عليه السلامُ.. درسٌ في اصطبارِ القلوبِ ربما تتساءلُ يا ولدي: هل ذاقَ الصالحون صَفواً خالصاً؟ انظر إلى حالِ الأنبياءِ، انظر إلى نبيِّ اللهِ نوحٍ ⁽²⁾ عليه السلام؛ أتظنُّ أنَّ الطريقَ كان مفروشاً بالورود؟ كلا، بل انظر إليه وهو يمرُّ على خبابِ بنِ الأرتِ ⁽³⁾ -رضي اللهُ عنه- والناسُ في بلاءٍ شديدٍ، حتى قال له خبابٌ: "يا رسولَ اللهِ، ألا تستنصرُ لنا؟". فكان جوابُ النبوةِ الذي يمسحُ على قلوبِ المكروبين: «والله يا خباب، لقد كان فيمن كان قبلكم يُؤتى بالرجل، ويُحفر له حفرة، ويُؤتى بأمشاط الحديد فيُفصل بها ما دون لحمه عن عظمه، ما يرده ذلك عن دين الله شيئاً. وليُتِمَّنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على الغنم، ولكنكم قوم تستعجلون»⁽⁴⁾. فهذا حالُ الذين شاهدوا الحقَّ فصبروا وشكروا، ولم يمنعهم عظيمُ البلاءِ من أداءِ حقِّ العبوديةِ.
## "أفلا أكون عبداً شكوراً؟" يا ولدي، انظر إلى مقامِ الحبيبِ المصطفى ﷺ وهو في غايةِ التعبدِ، إذ كان يقفُ بين يدي ربِّهِ حتى تتورم قدماهُ الشريفتان، وحينَ سُئلَ عن ذلك، لم يقلْ "أفلا أكونُ شكوراً"؛ بل قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟»⁽⁵⁾؛ تواضعاً منه ﷺ، لئلا ينسبَ للنفسِ مزيةً أو فضلاً على ربِّها، بل نسبَ الشكرَ للعبوديةِ المحضةِ. يا ولدي، ﴿طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾⁽⁶⁾، فاللهُ لا يريدُ لنا الشقاءَ، ولا يريدُ أن يرهقنا في الطريقِ، إنما تنزّلَ القرآنُ لنشهدَ المنعِمَ في كلِّ شيءٍ، فلا نرى في الكونِ إلا إياه، ولا نعتمدَ في وجودِنا إلا عليه، ولا تتحدثَ ألسنتُنا إلا عنه. فتذكّرْ دائماً يا بني: كلما اتسعَ مشهدُ القلبِ باليقينِ، زادت ترجمةُ اللسانِ بالشكرِ، وكلما ضاقَ القلبُ بالغفلةِ، عجّتِ الجوارحُ بالشكوى.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (الشكر عبادة الشاهدين: لماذا يقل الشكر؟ - عقيدة الشكر عند الدكتور جابر بغدادى)العقيدة
- للتعمق في الجانب الروحي وتزكية النفس لهذا الموضوع، راجع هذا المحتوى (شهودُ القلب طريقُ الشاكرين: كيف يترقّى السالك من الشكوى إلى الشكر؟ - دروس في التزكية للدكتور جابر بغدادى)التزكية والتصوف
- للاطلاع على الآيات والأحاديث الموثقة في هذا الفيديو، قم بزيارة موسوعة التوثيق العلمي الشاملة (الشكر عبادة الشاهدين - توثيق وتحقيق)التوثيق العلمي
- يمكنك قراءة إجابة مستنبطة من حديث الشيخ في هذا الفيديو من هنا (حقيقة الشكر وعلاج ضيق القلب بالشكوى)الأسئلة
