بقلم: الشيخ جابر بغدادي
مقامات التقرب وشواهد المحبة الإلهية
مقامات التقرب وشواهد المحبة الإلهية
بين مقامات التعبد ومراقي التقرب
تأمل يا ولدي كيف تجلت الحكمة الإلهية في الحديث القدسي الجليل؛ إذ لم يقل الحق تبارك وتعالى: ولا يزال عبدي "يتعبد" إلي بالنوافل، بل جاء اللفظ الرباني الدقيق ينضح بأسرار الود قائلاً: «وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل»⁽¹⁾.
وههنا يتضح البون الشاسع والفرق العظيم بين حال المتعبد وحال المتقرب؛ فالذي يرجو الجنة ويطلب نعيمها يكون في مقام التعبد، أما الذي يطلب القرب ويهيم شوقاً في ذات الله فهو المحب الخالص.
ولأجل هذا المقام السامي، لما كان حال العبد هو طلب القرب الخالص من مولاه، لم تكن المكافأة مجرد إيجاب الجنة له، بل تجلى العطاء الأعظم بأن أوجب الله له المحبة الذاتية، فلم يقل سبحانه: حتى أدخله الجنة، بل قال متفضلاً: «حتى أحبه»⁽¹⁾.
شواهد المحبة وفيوضات النور الرباني
وما إن تشرق شمس هذه المحبة يا ولدي، حتى تنجلي شواهدها وتتجلى آياتها على قلب العبد وجوارحه.
فإذا أحبه مولاه، فُتحت له أبواب الوصال الموصدة، وتحقق فيه الوعد الحق: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به»⁽¹⁾.
إنها العناية الإلهية التي تحول بين المحب وبين زحام الأغيار، فلا تلتقط أذنه إلا ما يوافق مراد الله، ولا يعي قلبه إلا ما يفيض من نور الله، ولا تتسع مداركه إلا لإدراك معاني التوحيد الكبرى.
إنه عبد أعرض عن لغو الحديث، ونجا من شتات الأغيار، وتطهر من دنس النميمة، فانطوى بكليته في دثار العبودية الحقة.
وماذا تظن أن يهب الله لمثل هذا العبد الأواه؟ إنه يفيض عليه من أسرار اسمه "السميع"، فيجعله موصولاً بأنوار السماء.
سر الاستجابة ومكاشفات اللقاء
وتستمر شواهد المحبة في التدفق، فيصير العبد مجاب الدعوة، محصناً في كنف مولاه المستعان: «ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه»⁽¹⁾.
فكما كان العبد في دنياه مجيباً لنداء ربه، كان الرب الكريم مجيباً لرجائه وسؤاله.
ولا تقف شواهد الود عند هذا الحد، بل انظر يا ولدي إلى أين ترتقي بنا هذه الشواهد؛ فلولا أن الموت هو المعبر الأوحد للقاء الله بعد هذه الدار، ولولا أنه الباب الموصل إلى الحياة الخالدة، ولولا أن الجنة هي محل المكاشفة والمشاهدة لجمال الحق؛ لما كتب الله الموت على أوليائه.
ولقد تجلى هذا المعنى البديع في الحديث ذاته، حين أخبر الحق سبحانه عن تردده في قبض روح عبده المؤمن، لأنه يكره الموت، ويكره الله مساءته⁽¹⁾.
معية الصادقين وصحائف القلوب
فيا عباد الله، إننا في معية أقوام أحسنوا إلى هذا الدين، وأخلصوا لهذا الشرع القويم، وقاموا بحقوق كتاب الله عملاً وتطبيقاً في شتى مسالك الحياة.
ولقد سُئل إمام الطائفة وتاج العارفين الإمام أبو الحسن الشاذلي⁽²⁾ يوماً: هل ألفت لنا كتاباً؟ فأجاب بلسان الحال والمقال، بكلمة تلخص جوهر منهج التربية الروحية قائلاً: "كتبي أصحابي".
نعم يا ولدي، لقد صدق؛ فهو لم يسطر كتاباً من حبر وورق فحسب، بل صاغ رجالاً وكتب معانيه السامية في صحائف قلوبهم النقية.
مشاهد الفضل ومباهاة ملائكة السماء
ولأجل هذا المعنى العظيم، فإن ما نراه في ساعتنا هذه، وفي هذا المشهد المهيب، ينطق بصوارخ المحبة الخالصة، ويصدح بجوامع كلم الفصاحة، ليؤكد جلياً أن هذه الأمة لا يزال الخير معقوداً في نواصيها.
لقد اجتمعت القلوب من بلدان شتى، وتآلفت الأرواح من قبائل شتى، لا غاية لهم إلا أن نذكر الله ونتعلم العلم اللدني الصافي.
لقد جلسنا نذكر الله، وجلسنا نتعلم العلم، وكأني برسول الله صلى الله عليه وسلم ماثل بيننا الآن في روحانيته العطرة يطرح علينا سؤاله النبوي الشريف: «ما أجلسكم؟»⁽³⁾.
فنجيبه بلسان اليقين الصادق: جلسنا نذكر الله ونحمده على أن منّ علينا بنعمة الإسلام، ومنّ علينا بك يا حبيب الله.
فيعود ليسألنا مستوثقاً: «آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟»⁽³⁾.
فنرد ونحن على عهد الصدق: والله ما أجلسنا إلا ذاك.
فيأتينا البشارة المحمدية الخالدة: «أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة»⁽³⁾.
إن هذا المشهد الذي نحياه الآن، ينطق بحق بمباهاة الله لملائكته الأبرار، فهو مشهد تعمره أنفاس قراء القرآن، وتزينه همم طلاب العلم الصادقين.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (عقيدة المحبة والتقرب: قراءة عقدية في أسرار النوافل والمعية الإلهية)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه العبادات وأسرار النوافل: قراءة فقهية في مشروعية التقرب ومجالس الذكر)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (أنوار المحبة الإلهية ومقامات القرب: أسرار التزكية في مجالس الذاكرين)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (خمس علامات تدل على محبة الله لك)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (ثمرة مجالس الذكر وصحبة الصالحين في زمن المشاغل)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (الخوف من الموت وكيفية تحويله إلى شوق للقاء الله)الأسئلة
- يمكنك قراءة إجابة مستنبطة من حديث الشيخ في هذا الفيديو من هنا (كيف أنتقل من عبادة العادة إلى عبادة المحبة والقرب؟)الأسئلة
