✧
✦
بقلم: الشيخ جابر بغدادي
سر المغفرة المحققة في شهر رمضان: بين مقامات الإيمان والاحتساب وشهود المنن
يوضح الدكتور جابر بغدادي في هذا المقال البليغ سر المغفرة المحققة في شهر رمضان المبارك، وكيفية ارتقاء السالك في مقامات الإيمان والاحتساب من طلب الأجر إلى شهود منن الله وعظيم فضله، معتمداً على درر السنة النبوية والمفاهيم الروحية العميقة.
سر المغفرة المحققة في شهر رمضان: بين مقامات الإيمان والاحتساب وشهود المنن
استمع لمقال: سر المغفرة المحققة في شهر رمضان: بين مقامات الإيمان والاحتساب وشهود المنن
0:000:00
## متلازمة الصيام والقيام: تقلبٌ في أعطاف العجز عن الشكر تأمل يا ولدي بقلبٍ حاضر في تلك الأحاديث النبوية الثلاثة التي تتردد في جنبات الروح، حيث تتجلى فيها متلازمة نورانية عجيبة؛ إذ يقول الحبيب المصطفى: «مَن صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»⁽¹⁾، و«مَن قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»⁽²⁾، ويقول أيضاً: «مَن قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»⁽³⁾.
إن القيام والصيام ينتظمان في عقد هذه الأحاديث كمتلازمة لا تنفك عراها. فإنني أصوم في رابعة النهار، وأشهد أن هذا الصيام محض فضلٍ من الله أسبغه عليَّ، فأقوم في جنح الليل لأشكر مولاي على توفيقه إياي لصيام النهار.
وما إن ينقضي الليل، حتى أعود لأصوم غدي، شكراً له سبحانه على أن أقامني بين يديه في ليلتي البارحة.
وهكذا، أظل أتقلب بين متقلبات العجز التام عن إيفاء الشكر حقه. وهذا الشعور العميق بالعجز هو ما يكسو الروح بحلة الحياء؛ فأستحيي أن أعصي إلهاً هذا جوده ولطفه، وحينئذٍ تتنزل الرحمات، فيغفر لي ما تقدم من زماني وذنبي. والمتأمل بنور البصيرة في هذه الأحاديث الشريفة، يلحظ تطابقاً بديعاً تكاد تتفق فيه المباني والألفاظ، ولا يقع الاختلاف إلا في كلمتي "صامه" و"قامه".
فماذا ندرك من هذا السر يا ولدي؟ ندرك يقيناً أن الله -جل جلاله- يُعبد بكل باب يُقصد به وجهه الكريم. فإن قصرت بك الهمة، أو لم تستطع أن تصوم رمضان بالكيفية والأهلية الروحية التي تبلغ بك مراد الله منك، فإن في خزائن كرمه متسعاً؛ فقد أبقى لك ليلةً واحدة، إن قمتها بحقها، كانت كفيلة بأن تعوضك عما فاتك، شريطة أن تقومها إيماناً واحتساباً.
## مقامات السالكين: بين طلب الأجر وشهود العجز ولكن، كيف لك يا ولدي أن تتحقق بهذا المعنى الجليل؛ معنى الإيمان والاحتساب؟ اعلم أن السالكين من الناس في دروب الإيمان والاحتساب ينقسمون إلى ضربين ومقامين. أما الطائفة الأولى، فهم أصحاب مقام البدايات؛ إيمانهم معقود على أداء الفرض، واحتسابهم موجه نحو ترقب الأجر الموعود من الله تعالى. وأما الطائفة الثانية، وهم أهل الخصوص، فمقامهم أعلى وأجل؛ إذ إيمانهم شهودٌ لفضل المنعم، واحتسابهم هو إقرارٌ وعجزٌ تام عن أداء شكره سبحانه. في المستوى الأول، كما أسلفنا، كان الاحتساب طلباً خالصاً للأجر والثواب، بيد أن المرء حين يرتقي إلى المستوى الأعلى، تتكشف له الحقائق، فيدرك عجزه المطلق عن شكر نعم الله. فالأول وقف بباب الرجاء يطلب أجره، ثم لما انجلت بصيرته وعاين ما أسبغه الله عليه من فيض المنن، استحالت حاله إلى العجز عن الشكر. وشتان شتان يا ولدي بين عبدٍ وقف بباب مولاه يطلب الأجر، وبين عبدٍ وقف بين يديه مطأطئ الرأس يعلن عجزه عن الشكر! فاحفظ هذه القاعدة النورانية التي أصلها أئمة الطريق كالعارف بالله الإمام ابن عطاء الله السكندري (ت: ٧٠٩ هـ)⁽⁴⁾: "لا تنظر إلى ما منك إليه، ولكن أدرك ما منه إليك".
## مطالعة المنة: أن فعل ونسب إليك يتبين لنا إذن، أنه حريٌّ بنا ابتداءً أن نجعل صيامنا في هذا الشهر الفضيل شكراً لعظيم إحسان الله علينا؛ فمن كمال لطفه وكرمه أنه هو الذي فعل، وهو الذي وفق، ثم نسب الفعل إليك تكرماً وتفضلاً، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾⁽⁵⁾. ففضل الله دائماً سابق، فماذا يعني هذا السبق الإلهي؟ يتجلى هذا المعنى في قوله جل شأنه: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾⁽⁶⁾.
فالله يأمرك بالعمل من باب الشكر، ولكن العجيب في لطفه أنك حين تعمل بتوفيقه ومعونته، يغض سبحانه الطرف عن إعانته لك، وينسب الفضل إليك، بل ويشكرك عليه! كما تجلى في قوله الكريم: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾⁽⁷⁾.
## تجليات الكرم الإلهي: عطاءٌ يسبق العمل إن هذا الكرم من الإله الكريم، حيث يشكرك على ما أقامك هو فيه وما عمله هو بك، لَهو من أعظم تجليات الكرم الإلهي على الإنسان. فتأمل يا ولدي كيف تسبق مننه أعمالنا؛ فقبل أن ينتصب العابد في محراب عبادته، وقبل أن يمسك الصائم عن طعامه، تتنزل الرحمات وتفتح الأبواب، حيث أخبرنا الحبيب المصطفى أنه: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ»⁽⁸⁾.
وحينئذٍ تنطلق دعوة الحق مدوية، ويتبادر إلى الذهن سؤالٌ لطيف: ماذا فعل هذا الإنسان الضعيف لينال كل هذه العطايا السنية والمنح الربانية؟ والجواب يأتيك حاملاً بشائر الفضل: لم يفعل شيئاً قط! فهو لا يزال في مستهل الطريق، وفي بداية المضمار، إلا أن كرم الواهب قد سبقه، فمهّد له السبيل، وفتح له أبواب القبول، وصَفَّد له مرَدة الشياطين، قبل أن يخطو الخطوة الأولى.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (أسرار المغفرة المحققة في رمضان: قراءة عقدية في مراتب الإيمان والاحتساب وتوحيد الأفعال)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (كيف تفوز بالمغفرة المحققة في شهر رمضان؟ فقه الصيام والقيام مع الدكتور جابر بغدادي)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (أسرار المغفرة ومقامات التزكية في شهر الصيام: الترقي من طلب الأجر إلى شهود العجز عن الشكر)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (التفقه في أسرار المغفرة ومقامات العبودية: شرح الشيخ جابر بغدادي لحديث الصيام والقيام)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (حيرة السائر: كيف أتحرر من "مقايضة الأجر" لأصل إلى "شهود المنة" في عبادتي؟)الأسئلة
