Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة التزكية

أسرار المغفرة ومقامات التزكية في شهر الصيام: الترقي من طلب الأجر إلى شهود العجز عن الشكر

رحلة روحية وسلوكية مع توجيهات فضيلة الدكتور جابر بغدادي للارتقاء في 'مقام الإحسان'، نغوص فيها لاكتشاف أسرار الصيام وعلاج أمراض القلوب. تذوق حلاوة الانتقال من الغفلة إلى الطمأنينة، ومن مجرد طلب الأجر إلى شهود المنة والعجز عن الشكر.

اعلم يا ولدي، وفقني الله وإياك لسلوك طريق أهل الصدق، أن الشريعة الغراء هي الباب الأوحد للوصول إلى حقائق الإيمان، وأن الغوص في بحار 'علم السلوك' وتزكية النفوس لا يستقيم إلا بقدم الاتباع الثابتة على هدي المصطفى. فقد استقرت القاعدة الذهبية عند سادتنا من أئمة التصوف السني المعتمد، وعلى رأسهم سيدي (الإمام الجنيد البغدادي، ت: ٢٩٧ هـ، سيد الطائفة وإمام السالكين في زمانه)، أن: 'كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة بالصحة فهي زندقة'⁽¹⁾.

فلا يُقبل بحالٍ من الأحوال أن تُتخذ التزكية الباطنة ذريعة لإسقاط التكاليف الشرعية أو الاستهانة بالعبادات الظاهرة، بل إن مقامات السلوك العظمى كالزهد والتوكل والمحبة ليست إلا أرواحاً تسري في جسد العبادات المفروضة لتصل بها إلى 'مقام الإحسان'. ومن أسرار هذا المقام العظيم، ما تجلى في توجيهات فضيلة الدكتور جابر بغدادي عند حديثه عن أسرار المغفرة في شهر رمضان المبارك. فقد استنبط من التلازم البديع في الأحاديث النبوية الشريفة الثلاثة: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»⁽²⁾، و«من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»⁽³⁾، و«من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»⁽⁴⁾، منهجاً متكاملاً في تزكية النفس وعلاجها من أمراض العُجب والغفلة ورؤية العمل.

يا ولدي، تأمل معي كيف يتحقق السالك بالعبودية الحقة من خلال هذا التلازم. يقول فضيلته إن العبد حين يصوم في النهار، فإنه يدرك أن هذا التوفيق هو 'فضل لله عليه'، فيقوم بالليل طمعاً في شكر نعمة صيام النهار. فإذا أصبح، صام النهار ليؤدي شكر نعمة قيام الليل. وهكذا، يظل السالك يتقلب بين متقلبات الطاعات، لا ليرى لنفسه مقاماً أو فضلاً، بل ليعيش في مقام 'العجز عن الشكر'.

وهذا الشعور الصادق بالعجز يورث القلب دواءً ربانياً عجيباً هو 'الاستحياء من الله'، والذي بدوره يكون سبباً أصيلاً في نيل الجائزة الكبرى: المغفرة المحققة لما تقدم من ذنوبه. وإن الله سبحانه وتعالى، من واسع كرمه، يعبد بكل ما يُقصد به وجهه الكريم. فإذا عجزت يا ولدي عن أداء صيام رمضان بالكيفية والأهلية الروحية التي تليق بجلال الله، فإن الكريم سبحانه قد فتح لك أبواباً أخرى للتعويض 'إيمانا واحتسابا'، كقيام ليلة واحدة كليلة القدر، لتدرك ما فاتك. ولكن قف هنا متأملاً، فإن الناس في فهمهم لمعنى 'الإيمان والاحتساب' على ضربين، كما يوجهنا فضيلة الشيخ.

الضرب الأول هم عامة السالكين؛ إيمانهم محصور في مجرد التصديق بالفرض، واحتسابهم مقصور على انتظار 'الأجر الموعود' من الله. وهذا مقام محمود ومطلوب.

أما الضرب الثاني، وهم خواص أهل السلوك والتزكية، فإن إيمانهم ارتقى ليكون 'إيمانا بالفضل' الإلهي المحض، واحتسابهم تحول إلى شهود 'العجز عن الشكر'.

فشتان يا ولدي بين من وقف على باب الله يطلب الأجر بعمله، وبين من وقف مطأطئ الرأس يعلن عجزه عن شكر نعم الله.

الأول ينظر إلى ما 'منه إلى الله'، والثاني ارتقى قلبه فأبصر 'ما من الله إليه'. ومن هنا، يجب علينا أن نصوم ونصلي شكراً لعظيم إحسان الله علينا أن وفقنا للفعل ونسبه إلينا كرماً وتفضلاً، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾⁽⁵⁾.

فالفضل كله لله مبتدأً ومنتهى. وتأمل كيف يخاطب الحق سبحانه وتعالى أنبياءه قائلاً: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾⁽⁶⁾، ثم يتجلى بكرمه فيشكر العبد على عملٍ هو سبحانه من وفق له وأعان عليه، فيتجلى باسمه 'الشاكر العليم'. يا بني، إن التصوف السني ليس بدعة أو شركاً كما يظن أصحاب الفهم الجاف الذين غابت عنهم أسرار المعاني. بل هو الغوص في حقيقة الشريعة لعلاج آفات النفس من الكبر والرياء وحب الظهور، والانتقال بها من ضيق 'النفس الأمارة' المأسورة بحظوظها، إلى نور 'النفس اللوامة' التي تحاسب ذاتها على التقصير، وصولاً إلى فضاء 'النفس المطمئنة' التي تذوقت حلاوة الحب الإلهي والتسليم. ألا ترى يا ولدي، كما يُشير الشيخ الجليل، أنك قبل أن تعبد، وقبل أن تصوم، قد تجلى الله عليك بكراماتٍ لا قِبَل لك بشكرها؟ فقد أغلق أبواب النيران، وفتح أبواب الجنان، وصفد الشياطين من أجلك. فبماذا استحققت أنت كل هذا العطاء المسبق؟ لا شيء. إنها منة الكريم التي تسبق العمل. فإذا أدرك السالك هذا المعنى، انكسر قلبه لله محبةً وتعظيماً، وتطهر من رجس العُجب بعمله، وعلم أن التعلق بالصالحين والأولياء ومحبتهم ومجالس الذكر إنما هي أدوات شرعية تصقل القلب، وتُحيي فيه معاني العبودية الصادقة، وترفع العبد درجات في سلم الإحسان.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.