بقلم: الشيخ جابر بغدادي
في رحاب الحوض والكوثر: تجليات القرب وجمال العطاء المحمدي
في رحاب الحوض والكوثر: تجليات القرب وجمال العطاء المحمدي
## في رحاب الحوض المورود يا ولدي، تأمل معي -هداك الله لسبيل الرشاد- في ذلك الحوض الذي نردُّ عليه يوم القيامة، ذلك الذي ينتظرنا عند باب الجنة، حيث يقول لنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم واصفاً إياه: «حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، ماؤه أبيض من الورق، وأبيض من الثلج، وأبيض من اللبن» ⁽¹⁾.
يا ولدي، حينما يصفه النبي صلى الله عليه وسلم بكونه "أبيض"، ويعدد هذه التشبيهات في بياضه -أعظم من الكوثر وأعظم من كل تصور-، فاعلم أن عقلَك سيقف عاجزاً عن الإحاطة بكنه هذا الجمال، فهو "لونٌ لا يُخيَّل" في بياضه، مضافاً إليه صفاتٌ تخلب الألباب؛ فهو "أبيض من الورق، أحلى من العسل، وأوانيه عدد نجوم السماء، وريحه أطيب من المسك" ⁽²⁾. تأمل معي يا ولدي، فهو ليس مجرد لون، بل هو لون وطعم وريحة، فمن شرب منه شربةً واحدة لا يظمأ بعدها أبداً، هي شربةٌ تروي الروح والجسد في مقامٍ لا عطش بعده.
## الفرق بين الحوض والكوثر ومقام المنبر يا ولدي، لعلَّك تتساءل: هل الحوض هو عينُ نهر الكوثر؟ اعلم -وفقك الله- أن نهر الكوثر هو نهرٌ يجري داخل الجنة، أما الحوض فهو عند باب الجنة. وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكانة منبره الشريف بقوله: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي» ⁽³⁾. بل إن النبي صلى الله عليه وسلم يُبيّن لنا أن منبره الكريم هذا قائمٌ على "ترعة" من الجنة، والكوثر هو ذلك النهر العظيم الذي أُعطي للنبي صلى الله عليه وسلم في الجنة. وقد كان حبر الأمة "عبد الله بن عباس" ⁽⁴⁾ -رضي الله عنهما- واسع الأفق في فهمه، فعندما سُئل عن الكوثر، قال: "هو الخير الكثير"، وحينما قيل له: "إن الناس يقولون هو النهر في الجنة"، أجاب: "والنهر الذي في الجنة من ذلك الخير".
فالكوثر يا ولدي أوسع من مجرد النهر؛ فقد قيل في معناه إنه القرآن، وقيل إنه كثرة الذرية، وقيل غير ذلك، لكن الاسم نفسه "كوثر" يأتي على وزن "فوعل" ليدل على المبالغة في الكثرة والوفرة.
## أسرار العطاء في قوله تعالى "إنا أعطيناك" يا ولدي، انظر معي إلى دقة التعبير القرآني في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ⁽⁵⁾، فهل تساءلت يوماً: لماذا لم يقل الله سبحانه وتعالى: "آتيناك الكوثر"؟ إن بين "آتيناك" و"أعطيناك" فرقاً دقيقاً يمسُّ جوهر علاقة المحب بمحبوبه؛ فكلمة "آتيناك" قد تحمل معنى الإيتاء أو التمليك المحدود، أما "أعطيناك" فقد قال أهل العلم في لغتهم: "أعطيناك" تعني صرفناها إليك في التمليك المطلق، لا في التملك العارض، فالعطاء هنا هو تمليكٌ وتفويضٌ كاملٌ من المولى عز وجل لحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم، في هذا الخير العظيم الذي لا نفاد له.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (حقائق العقيدة في تجليات الحوض والكوثر: فهم العطاء المحمدي وتدبر مقامات النبوة)العقيدة
- للتعمق في الجانب الروحي وتزكية النفس لهذا الموضوع، راجع هذا المحتوى (في رحاب الحوض المورود: أسرار العطاء المحمدي وتجليات مقام العبودية)التزكية والتصوف
- للاطلاع على الآيات والأحاديث الموثقة في هذا الفيديو، قم بزيارة موسوعة التوثيق العلمي الشاملة (التأصيل العلمي لبيان حوض النبي وسر الكوثر والرد على منكري المقامات المحمدية)التوثيق العلمي
- يمكنك قراءة إجابة مستنبطة من حديث الشيخ في هذا الفيديو من هنا (ظمأ الأرواح في زحام الدنيا والسبيل للورود على حوض النبي ﷺ)الأسئلة
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (لغز اتصال المنابر الدنيوية بحياض الآخرة وسر العطاء المحمدي المطلق)الأسئلة
