Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة

عقيدة المحبة والتقرب: قراءة عقدية في أسرار النوافل والمعية الإلهية

مقال تفصيلي يستنبط المعاني العقدية العميقة من درر الدكتور جابر بغدادي حول الحديث القدسي الجليل المتعلق بالنوافل، موضحاً الفارق الدقيق بين التعبد طمعاً في الجنة والتقرب شوقاً للمحبة، مع ضبط مفاهيم المعية الإلهية ونفي المفاهيم الخاطئة، وبيان عقيدة المؤمن في الموت ومجالس الذكر.

مقام المحبة: الفارق العقدي بين التعبد للجنة والتقرب للمحبوب

في رحاب العقيدة الإسلامية الصافية، تتجلى مراتب السائرين إلى الله جل جلاله، وقد توقف الدكتور جابر بغدادي عند لطيفة عقدية غاية في الدقة والعمق، مستنبطة من قول الحق تبارك وتعالى في الحديث القدسي الجليل: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه»⁽¹⁾.
لقد لفت الشيخ الأنظار إلى سر لغوي وروحي عظيم؛ فالنص الإلهي لم يقل "يتعبد إلي بالنوافل"، بل قال "يتقرب".
وهنا يبرز تساؤل عقدي دقيق: ما الفارق بين المتعبد والمتقرب؟

يُجيبنا السياق بأن العبد الذي يكون غاية مراده النجاة ودخول الجنة فإنه يتعبد، وهذا مقام شريف ومطلب شرعي صحيح لا غبار عليه، فطلب الجنة حق والفرار من النار حق.ولكن العبد الذي يتجاوز هذا المطلب ليطلب "القرب" من الله ذاته، فهو "محب".
ولأن حال هذا العبد كان خالصاً لطلب القرب من الخالق عز وجل، فإن الله سبحانه وتعالى لم يوجب له الجنة فحسب، بل أوجب له ما هو أعظم وأجل؛ أوجب له "المحبة".
فالمحبة هنا هي الغاية الكبرى والمنحة العظمى التي تترتب عليها كل العطايا، فإذا نال العبد محبة الله، أصبحت الجنة تحصيل حاصل، بل وتنجلي على العبد شواهد هذه المحبة الربانية في دنياه قبل أخراه.

المعية الإلهية ونور التوحيد: الفهم الصحيح لصفات القرب

يستطرد الشيخ في بيان الثمرات العقدية المترتبة على هذه المحبة الإلهية، قائلاً إن الله إذا أحب عبداً فتح له أبواب المعية الخاصة، مصداقاً لقوله تعالى في تتمة الحديث: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به»⁽¹⁾.

وهنا وجب علينا إرساء قاعدة عقدية احترازية في غاية الأهمية، حتى لا يزيغ فهم القارئ عن جادة الصواب: إن قول الحق "كنت سمعه وبصره" لا يُفهم منه بأي حال من الأحوال عقائد "الحلول" أو "الاتحاد" الفاسدة التي تنسب إلى الله التجسد في خلقه، فالله سبحانه منزه عن ذلك علواً كبيراً، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾.
بل التوجيه العقدي الصحيح الذي أشار إليه الشيخ هو أن الله يحول بين هذا العبد وبين "الأغيار" (أي كل ما سوى الله).
فيصبح العبد محفوظاً بحفظ الله، لا يسمع إلا ما يوافق مراد الله، ولا يعي قلبه إلا بنور الله، ولا يفهم حقائق الوجود إلا عبر إدراك معاني التوحيد الكبرى.

إنه عبدٌ أعرض عن اللغو والنميمة وكل ما يخدش كمال التوحيد، وانطوى في وصف العبودية الحقة.
فماذا يكون العطاء الإلهي؟ يعطيه الله سبحانه وتعالى سمعاً مستمداً من أسرار اسمه "السميع"، ويكون له مجيباً ومعيناً؛ «ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه»⁽¹⁾.
إنها إجابة الكريم لعبد تحقق بمقام الافتقار.

عقيدة الإيمان بالموت: قنطرة اللقاء ومساءة المؤمن

ينتقل الدكتور جابر بغدادي إلى مسألة عقدية أخرى ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمحبة، وهي النظرة إلى "الموت".
يطرح الشيخ تساؤلاً تنبيهياً يوقظ القلوب: إلى أين تصل شواهد المحبة؟ يجيب بأن الموت، الذي هو رهبة للغافلين، ما هو في عقيدة المحبين إلا السبب الوحيد والباب الحتمي للقاء الله بعد هذه الحياة الدنيا، والعبور إلى الحياة الخالدة.

ولولا أن الجنة هي دار اللقاء والمكاشفة ومشاهدة وجه الكريم جل جلاله، لما اشتاقت إليها أرواح العارفين.
يوضح الشيخ بتعبير بليغ أن الله سبحانه وتعالى حين يقبض روح عبد من أوليائه، فإنه يكره أن يسوءه، وهذا مصداق للفظ الحديث القدسي: «وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته»⁽¹⁾.
ويجب التنبيه هنا عقدياً إلى أن صفة "التردد" المنسوبة لله في الحديث ليست كتردد المخلوقين الناشئ عن الجهل بالعواقب أو العجز، بل هي تعبير عن كمال الرحمة الإلهية والمحبة لهذا العبد المؤمن، فالله يكره ما يسوء عبده، ولكن الموت قضاء حتمي لا بد منه لكي يتحقق اللقاء.
إن هذه المساءة المؤقتة هي قنطرة العبور نحو معية الخالدين الذين أحسنوا العمل بكتاب الله وشرعه.

الأثر الحي: توارث العقيدة بين السطور والصدور

في لفتة تبين كيف تُحفظ العقيدة والدين في صدور الرجال لا في بطون الكتب فحسب، يورد الشيخ موقفاً جليلاً للإمام أبي الحسن الشاذلي رحمه الله.
فقد سُئل الإمام: هل كتبت لنا كتاباً؟ فأجاب بلسان العارف المربي: ""كتبي أصحابي"".

إن هذا الاقتباس النثري البليغ يحمل توجيهاً عقدياً وتربوياً عميقاً؛ وهو أن التربية العملية ونقل حال اليقين والتوحيد إلى قلوب الأتباع هو أبلغ وأبقى من مجرد تسطير الحروف.
فالصحبة الصالحة التي تتشرب العقيدة وتترجمها إلى سلوك وواقع هي الكتاب المفتوح الذي يقرؤه الناس في كل زمان ومكان.
وهذا المشهد المهيب الذي نراه اليوم، من اجتماع الأمة على ذكر الله وتدارس العلم، ينطق بـ "صوارخ المحبة" ويثبت أن الخيرية لا تزال باقية في أمة الإسلام، برجالها الذين جاؤوا من بلدان شتى وقبائل شتى، يجمعهم رابط العقيدة والتوحيد.

مجالس الذكر: مباهاة ربانية وإيمان بالملائكة

يختتم الدكتور جابر بغدادي حديثه بتجلٍ عقدي يرسخ ركناً من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالملائكة، وذلك من خلال استحضار مشهد عظيم من مشاهد السنة النبوية.
يصور لنا الشيخ حال الجالسين لذكر الله وتعلم العلم، مستحضراً سؤال النبي لصحابته: «ما أجلسكم؟» فيجيبون: ""جلسنا نذكر الله ونحمد الله على أن من علينا بالإسلام وبك"".
فيسألهم النبي تأكيداً: «آلله ما أجلسكم غير هذا؟» فيقسمون: ""الله ما أجلسنا غير هذا"".

عندها يكشف لهم النبي الحقيقة الغيبية العقدية، قائلاً: «أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكن أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة»⁽²⁾.
إن هذا الحديث الذي سرده الشيخ بأسلوبه الآسر، يقرر عقيدة "المباهاة"؛ فالله جل جلاله يباهي بعباده الذاكرين ملائكته المقربين.
وهذه المباهاة تليق بكماله وجلاله، وتدل على شرف مجالس العلم والذكر وقراء القرآن، وأن العبد الضعيف بصدق نيته وحمد ربه على نعمة الإسلام ونعمة الهداية بالنبي ، يرتقي ليكون محل فخر في الملأ الأعلى.
إن هذا المشهد ينطق بوضوح أن الإيمان ليس مجرد أفكار تجريدية، بل هو يقين يُعاش في مجالس تحفها الملائكة وتتنزل عليها السكينة، برعاية وإحاطة من رب العالمين.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.