أسرار العقيدة في ليلة النصف من شعبان: بين سعة العلم الإلهي وتوحيد الأفعال
عقيدة الإيمان بسعة العلم الإلهي وحقيقة "الاطلاع"
إن من أُسس العقيدة الراسخة التي يجب أن تستقر في قلب كل مؤمن، الإيمان الجازم بكمال علم الله سبحانه وتعالى وإحاطته بكل شيء.
وحينما نقف أمام الأحاديث النبوية الشريفة التي تتحدث عن تجليات الله على خلقه، يجب أن نفهمها بفهم أهل التوحيد الخالص.
فقد روى الصحابي الجليل مُعاذِ بنِ جبل (ت: ١٨ هـ) (إمامُ العُلماءِ يومَ القيامة) عن سيدنا رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ» ⁽¹⁾.
وهنا قد يطرح العقل تساؤلاً عقدياً دقيقاً، وهو تساؤل نثيره لتأكيد المعنى لا للتشكيك فيه: هل نحن مستعدون حقاً لأن ينظر الله في صحائف أعمالنا؟ وما الحكمة من هذا الاطلاع الإلهي في تلك الليلة؟ هل هو اطلاع لكشف المجهول؟ حاشا لله! فالله جل جلاله محيط بأعمالنا، عليم بظواهرنا وبواطننا، ومحصٍ لأفعالنا عدداً قبل أن تُخلق.
إذاً، ما غاية هذا الاطلاع؟ إن عقيدتنا تخبرنا أن هذا "الاطلاع" هو تجلي رحمةٍ، ونظرةُ عفوٍ ومغفرة، وليس تعرفاً على ما غاب عن علمه سبحانه.
إنه ينظر بعين الرحمة لعل عاصياً يثوب إلى رشده، ولعل غشاشاً في الميزان يوقظ التوحيدُ ضميرَه فيقول: "كفى تمادياً"، ولعل رجلاً سلب ميراث أخواته يرتدع خوفاً من الديان، ولعل قاطعاً لرحمه أو مفسداً في الأرض تدركه العناية فيتوب.
الشرك والإصرار: موانع تناقض أصل التوحيد
لقد نص الحديث الشريف على موانع تحول دون نيل هذه المغفرة الربانية، وعلى رأسها "الشرك" و"الشحناء".
والشرك بطبيعة الحال هو الناقض الأكبر للعقيدة، والمانع الأعظم لكل خير.
ولكن الملمح العقدي الدقيق هنا يتجلى في مفهوم "الشحناء"؛ فالشحناء لا تقف عند حدود الخصومة الدنيوية بين البشر، بل تتعداها إلى خصومة أعظم، وهي الإصرار على كبيرة من الكبائر.
إن الخصومة الحقيقية هنا تكون بين العبد وربه؛ فترك الصلاة، والاجتراء على معاصي الله، واستعمال نعم الله التي وهبها إياك في معصيته، هي صور من صور الشحناء التي تقدح في كمال العبودية.
لذلك، كان من أوجب واجبات العقيدة السليمة قبل ليلة النصف من شعبان أن يفك العبد عقدة الإصرار، فالمؤمن الموحد لا يصر على ذنب، ولا يستكبر عن الانقياد لأمر ربه.
توحيد الأفعال: التوازن الدقيق بين كسب العبد وفضل الرب
وقد يتساءل سائل بلسان الحال المفتقر إلى الله: ماذا نصنع يا معلمي؟ وكيف ننجو؟ فأقول لك يا ولدي: تُب إلى مولاك، وأكثر من الاستغفار.
وجهز نفسك روحياً وعقائدياً لتجلي الله عليك.
وكيف نستعد لذلك؟ الأمر يسير لمن يسره الله عليه.
لقد أرشدنا الحديث القدسي الجليل المروي عن أبي هريرة (ت: ٥٩ هـ) (راويةُ الإسلام وحافظ الأمة) إلى قاعدة عقدية عظيمة، حيث يقول المولى عز وجل: «...وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا...» ⁽²⁾.
أتدرون ما هو هذا "الشبر" في ميزان العقيدة؟ إنه النية الصادقة، أو الصدقة الخفية، إنه "كسب العبد" وإرادته الحرة التي منحه الله إياها.
فإذا تقربت بهذا الشبر، جاءك "الذراع" الإلهي؛ وهو التوفيق والمدد والعون.
سيعينك الله على نفسك، ويسهل لك أمرك، ويزيل عن قلبك حجب الغفلة.
حتى ذلك الذنب الذي ظننت أنك أسيره، وأنك ضعيف أمامه، ستجد فجأة قوة ربانية تنبعث في كيانك لتقول: "الحمد لله، تبت إلى الله"، وتجد نفسك منساقاً إلى رحاب المساجد.
إن هذا هو التوازن العقدي الذي يقرر أن للعبد مشيئة واختياراً يُحاسب عليهما، ولكنه محتاج في كل لحظة إلى فضل الله وتوفيقه ليتحقق له مراده.
آفة الغرور والتحذير من الانحراف العقدي
وهنا يجب أن نقف وقفة حازمة لتصحيح مفهوم عقائدي خطير.
فمن آثام النفس البشرية أنها إذا وفقت لترك ذنب كانت تعشقه، حتى أصبحت لا تطيق رائحته، ينسب الإنسان الفضل لنفسه بدافع الغرور، فيقول بلسان المدعي: "لقد نجحت لأنني أمتلك عزيمة قوية!".
لا يا ولدي! احذر من هذا الشرك الخفي في نسبة الأفعال لنفسك.
ليس لأنك تملك عزيمة، بل لأنك تمتلك رباً رحيماً!
ولكن حذارِ أن تفهم من هذا التوجيه أننا ندعو إلى الفهم الخاطئ لـ "العقيدة الجبرية" الباطلة، التي تسلب العبد إرادته وتدعي أنه مجبر على أفعاله كالريشة في مهب الريح.
كلا، فإن عقيدة أهل السنة والجماعة تقرر أن العبد فاعل حقيقي، له إرادة وقدرة، ولكنه لا يستغني عن معونة الله.
لعل عناية الله صادفتك لأنك سعيت، ولعلك مررت بموطن فيه رحمة فتعرضت لها بصدقك فرُحمت وعُوفيت.
فاشكر الله على ذلك، واعترف بفضله، وقل: "التوفيق من الله، والتقصير من نفسي".
عقيدة الجذب الإلهي وتزيين الإيمان
إن من عظيم ملكات الحق سبحانه وتعالى، ومن بديع قدرته في تصريف قلوب عباده، أنه هو الذي يزين الإيمان في القلوب.
وهذا من صميم عقيدة الرشاد الإلهي المذكورة في محكم التنزيل، حيث يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ ⁽³⁾.
فاللهم حبب إلينا الإيمان، واستنقذ من قلوبنا ما جنيناه من حب العصيان.
عندما يزدان الإيمان في قلبك بفضل الله، وتكتمل عقيدتك، تتغير نظرتك للعبادة تماماً.
فالركعتان اللتان كنت تصليهما لتفر من الله، ستصبح تصليهما لتفر إلى الله.
والركعتان اللتان كنت تؤديهما بثقل قائلاً بلسان حالك: "أرحنا منها"، ستؤديهما بشوق قائلاً كما كان يقول سيدنا رسول الله ﷺ لمؤذنه بِلالِ بنِ رَبَاح (ت: ٢٠ هـ) (مؤذنُ الرسولِ وصاحبُ الصوتِ النديّ): «يَا بِلَالُ أَقِمِ الصَّلَاةَ، أَرِحْنَا بِهَا» ⁽⁴⁾.
كل ذلك لأن الإيمان قد استقر في وجدانك، ولأن الله قد أقبل عليك برحمته.
فما الذي يجعلنا نعيش في خصومات، وتضيق بنا البيوت، وتمتلئ المحاكم بالنزاعات بين الأخ وأخيه، وتتهتك الروابط؟ إنه نسيان هذه العقائد الصافية، وطغيان النفس، وتعاظم محنة الغرور فينا.
فلنعد إلى الله، ولنصحح عقائدنا، لعلنا نفوز بنظرة الرضا في ليلة التجلي والمغفرة.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (كيف تنجو من "الحرمان" في ليلة النصف من شعبان؟)المقالات
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه المظالم وتصحيح العبادات: كيف تنجو من "الحرمان" في ليلة النصف من شعبان؟)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (مقامات السلوك في ليلة النصف من شعبان: من دواء "الشحناء" إلى جنة "أرحنا بها")التزكية والتصوف
وقت القراءة
