بقلم: الشيخ جابر بغدادي
تجليات اسم الله الجواد في رمضان: أسرار الورد والود في المحراب النبوي
تجليات اسم الله الجواد في رمضان: أسرار الورد والود في المحراب النبوي
## رمضان ومجالي اسم الله الجواد يا ولدي، إن هذا الشهر المبارك، شهر رمضان المكرم، ما هو إلا مظهرٌ باهرٌ من مظاهر تجلي الحق سبحانه وتعالى باسمه "الجواد". وهل تدرك يا ولدي ما يحمله هذا الاسم العظيم من أسرار وفتوحات؟ إن "الجواد" هو المتكرم الذي يفيض بعطائه على من سأل ومن لم يسأل، وهو الذي يُعطي من يستحق ومن لا يستحق، بل وتتجاوز رحمته الواسعة ذلك كله، ليُعطي ما لا يُستحق لمن لا يستحق، بمحض الفضل والكرم والمنة.
تأمل يا ولدي في حالنا وضعفنا؛ هل سألناه نحن بصدق أعمالنا أن يفتح لنا أبواب الجنة في هذا الشهر الفضيل؟ أبداً والله. وهل طلبنا منه بحسن أفعالنا أن يُغلق عنا أبواب النيران؟ أبداً. وهل بلغ بنا الشوق إليه، والوجد في محبته، مبلغاً يجعله ينادي علينا بمحض فضله؟ أبداً. بل إننا نقف في ساحته حائرين مقصرين، لا نُحسن حتى صياغة الاستغفار الصادق، غير أننا نلوذ بما جرى على ألسنة أهل العرفان في مناجاتهم لله قائلين: "رقيبٌ يطالعني فأعصي جهالةً... يُبدلُ بالغفران قبح مذلتي"⁽¹⁾.
فهو سبحانه الحليم الذي يتجاوز عن القبيح، ويجود بالصفح الجميل، ويبدل السيئات بحسنات تفضلاً منه وجوداً.
## فقه النبوة في مسالك الجود والعطاء وإذا كان هذا هو جود الخالق سبحانه وتعالى المطلق، فكيف كان فقه الحبيب المصطفى ﷺ، وكيف كان استيعابه لتجليات اسم الله "الجواد"؟ لقد روى لنا حبر الأمة وترجمان القرآن، عبد الله بن عباس (ت: ٦٨ هـ)⁽²⁾، أن رسول الله ﷺ كان بطبيعته أجود الناس بالخير في كل أحيانه، غير أنه كان أجود ما يكون في شهر رمضان. ولعلك تسأل يا ولدي في سريرتك متأملاً: ما هو السر المكنون الذي يجعل جود النبي ﷺ يتضاعف في رمضان، فيُضاف على جوده المعهود جودٌ آخر، وهو الذي طُبع في أصل خلقته وسجيته على الجود والكمال المطلق؟ السر يا ولدي يكمن في الشكر لمعطي النعم؛ فقد كان صلوات ربي وسلامه عليه يجود جوداً فوق الجود شكراً لواهب العطية. وما هي تلك العطية العظمى التي تتنزل في رمضان؟ إنها عطية القرآن يا ولدي. فقد كان النبي ﷺ أجود ما يكون حين يلقاه أمين وحي السماء، جبريل عليه السلام (أمير الملائكة والموكل بالوحي)⁽³⁾، فيدارسه آيات القرآن الكريم.
## مقامات الورد والود في المحراب النبوي هنا تتجلى لنا حقيقة الحياة النبوية الشريفة في شهر رمضان؛ فقد كانت قائمةً على ركنين عظيمين، هما: "الورد" و"الود". ففي مقامه ﷺ، بلغ الجود ذروة كماله البشري، حتى إذا ما أهلّ هلال رمضان، ولاحظ المصطفى ﷺ بعين بصيرته أن ربه جل جلاله يفتح أبواب الجنان لعباده، ويُغلق أبواب النيران، ويُصفد مردة الشياطين⁽⁴⁾؛ بادر ﷺ من فوره بفتح أبواب النفحات المحمدية على الخلق أجمعين. ففي الوقت الذي تُغلق فيه منافذ الشر وتتيسر سبل الطاعة، كان سيدنا النبي ﷺ يتجلى للدنيا بأسرها كأجود الناس وأعبد الناس في آن واحد.
## الاكتفاء بالقرآن وبحر الوفاء المحمدي وما دمت يا ولدي قائماً في محرابك بين الورد (الذي هو حق الله من العبادة والتبتل) والود (الذي هو حق الخلق من الإحسان والعطاء)، فاعلم يقيناً أن حبلك موصولٌ بربك، وأن دينك في رشد تام، ومصداق ذلك في قول القائل: "وما دمت بين الورد والود قائماً... فحبلك موصول ودينك في رشد"⁽⁵⁾. وهو المعنى الجليل الذي يتصل بسر قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾⁽⁶⁾؛ أي اجمع بين صلة الخالق بالصلاة، والإحسان للخلق بالنحر والعطاء. وما إن كان النبي ﷺ يشرع في قراءة القرآن ومدارسته، حتى يتحول إلى بحرٍ متلاطمٍ من العطاء والجود الذي لا يحده حد. ولعلك تتأمل يا ولدي في هذه النعمة متسائلاً: لِمَ كل هذا الفيضان المتدفق؟ الجواب أنه ﷺ أراد أن يشكر ربه العظيم، معلناً اكتفاءه المطلق بنعمة القرآن، فكفى بها من نعمة تُغني الروح وتملأ القلب. وهكذا يكون شأن العبد الرباني؛ حينما يترقى في درجات السلوك وتصدق نيته، يتحول الحب في قلبه إلى وفاءٍ خالص للمحبوب، واكتفاءٍ تامٍ به عما سواه.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (عقيدة الفضل وتجليات اسم الله الجواد: قراءة عقدية في أسرار العطاء الرباني)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (الفقه النبوي لعطايا رمضان: أحكام الورد والود وأسرار الجود في الشريعة)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (أسرار التزكية في تجليات الجواد: مقامات الورد والود في السلوك النبوي)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (توثيق التفريغ النصي لدرس تجليات اسم الله الجواد وفقه الورد والود)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (حيرة السالك بين العبادة وخدمة الخلق: كيف أوازن بين الخلوة والمواساة؟)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (قسوة القلب واليأس من التوبة: كيف يقبلني الله وأنا أعجز عن الاستغفار؟)الأسئلة
