Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة

عقيدة الفضل وتجليات اسم الله الجواد: قراءة عقدية في أسرار العطاء الرباني

مقال عقدي بليغ يستلهم من فيوضات الشيخ جابر بغدادي شرحاً وافياً لتجليات اسم الله "الجواد"، ويغوص في عقيدة أهل السنة المتعلقة بالفضل الإلهي المحض، مع تحصين القارئ من الانزلاق في مزالق الفهم الجبري، وبيان الكمال العقدي في التلقي النبوي لعطايا السماء.

## توحيد الأسماء والصفات: في رحاب اسم الله "الجواد" يا ولدي، إن المتأمل في دورة الزمان ومواسم الطاعات، يدرك بعين البصيرة العقدية أن شهر رمضان المكرم ليس مجرد زمن للامتناع عن المفطرات، بل هو في حقيقته الباطنة مظهرٌ باهرٌ من مظاهر تجلي الحق سبحانه وتعالى باسمه "الجواد".

وهنا يعلمنا الشيخ جابر بغدادي درساً عميقاً في توحيد الأسماء والصفات، فيطرح تساؤلاً يوقظ العقول: ما المعنى العقدي الدقيق لاسم الله "الجواد"؟ إن الجواد في حق الله تعالى هو المتكرم الذي يفيض بعطائه على العباد؛ فيُعطي من سأل إجابةً لدعائه، ويُعطي من لم يسأل تفضلاً وتكرماً منه. بل إن الجود الإلهي يتجاوز موازين العدل والاستحقاق البشري القاصر، فهو سبحانه يُعطي من يستحق، ثم يتجلى بأعظم مراتب الكرم فيُعطي من لا يستحق، ويهب ما لا يُستحق لمن لا يستحق! وهذا المعنى يرسخ في قلب المؤمن عقيدة الافتقار التام إلى الله، وأن النعم كلها محض فضلٍ منه سبحانه، كما ثبت في الأثر عن جود الله جل جلاله⁽¹⁾.

## عقيدة الفضل الإلهي الصافي والموازنة مع قانون السببية ولكي تتذوق يا ولدي هذا المعنى العقدي الجليل، يطرح الشيخ تساؤلات استنكارية تهز أركان النفس المغرورة بعملها: هل سألناه نحن بصدق أعمالنا أن يفتح لنا أبواب الجنة في هذا الشهر الفضيل؟ أبداً! وهل سألناه بحسن أفعالنا أن يُغلق عنا أبواب النار؟ أبداً! وهل بلغ بنا الشوق إليه، والوجد في محبته، مبلغاً يجعله ينادي علينا ويدنينا؟ أبداً والله! وهنا يا ولدي، وجب التنبيه والتحذير من مزلق عقدي خطير؛ فربما يتسرب إلى عقل القارئ أو المستمع من هذا الكلام إحساس بأن الأمر ما دام محض فضل إلهي خالص، فلا حاجة إذن للعمل أو السعي، وهذا هو عين الفهم السقيم لـ "العقيدة الجبرية" الباطلة التي تسلب الإنسان إرادته وتدفعه للتواكل.

إن عقيدة أهل السنة والجماعة توجب علينا أن نعتقد يقيناً أن فضل الله لا يُنال بالكسل، وأن الله سبحانه أجرى الكون على قانون الأسباب والمسببات. نحن لا ندخل الجنة بأعمالنا كـ "عوض" أو "ثمن" متكافئ، بل ندخلها بفضل الله ورحمته التي نستمطرها بالعمل الصالح. فالعطاء رمضانيّ ابتدائيّ محض لا يد لنا فيه، ولكنه يقتضي منا الاستجابة بالطاعة لا الركون إلى الغفلة. فنحن نعمل، ولكننا عقائدياً لا نعتمد على العمل، بل نعتمد على رب العمل وهو "الجواد".

## الافتقار إلى الله وحقيقة العجز عن الاستغفار وفي خضم هذا التجلي، يلفت الشيخ نظرنا إلى قصور العبد حتى في طلب العفو. فنحن في حقيقة الأمر لا نُحسن حتى صياغة الاستغفار الصادق الذي يليق بجلال الله. وهذا العجز هو لب العبودية؛ أن تشهد تقصيرك في أوج طاعتك. فاستغفارنا يحتاج إلى استغفار، ولذلك استلهم الشيخ في وصف هذه الحالة العقدية قول العارفين: "بيعت.. بيعت، رقيبٌ يطالعني فأعصي جهالةً... يُبدلُ بالغفران قبح مذلتي"⁽²⁾. فالله سبحانه رقيبٌ مطلع على السرائر، ومع ذلك يقابل المعصية الناشئة عن جهل الإنسان وضعفه، بستره وغفرانه وتبديله للسيئات حسنات، تجلياً لصفة الحلم والجود المطلق.

## الفقه العقدي للنبوة: استيعاب أنوار الأسماء الحسنى إذا استقر في وجدانك عظمة الجود الإلهي، فانتقل معي يا ولدي لترى كيف استوعب المقياس البشري الأكمل، سيدنا رسول الله ، هذا الاسم الجليل؟ كيف كان فقهه العقدي عن اسم "الجواد"؟ لقد كان رسول الله أجود الناس بالخير في كل أحيانه، ولكنه كان أجود ما يكون في شهر رمضان⁽³⁾. وما السر يا ولدي في أن سيدنا النبي كان يُضاف على جوده جودٌ آخر في رمضان، وهو في أصل خلقته وطبيعته التي جبله الله عليها جواد السجية؟ السر عقائدي بامتياز؛ فالأنبياء هم أكمل الخلق تلقياً لأنوار الأسماء والصفات الإلهية، ولأن الله تفضل وفتح أبواب الجنة، وصفد الشياطين، وأفاض من نوره على الكون، كان لزاماً على العبد الأكمل أن يتخلق بأخلاق ربه في حدود البشريّة، فكان يجود جوداً على الجود شكراً لواهب العطية.

## عقيدة الشكر وكلام الله غير المخلوق ولكن، ما هي تلك العطية العظمى التي نُزلت في رمضان وجعلت النبي يتحول إلى بحر متلاطم من العطاء؟ إنها عطية "القرآن" يا ولدي. ففي رمضان، كان يأتيه أمين الوحي جبريل عليه السلام ليدارسه كلام الله⁽⁴⁾. والقرآن في عقيدتنا هو كلام الله القديم غير المخلوق، وهو أعظم تجلٍ لرحمة الله بعباده. لذلك كانت حياة النبي في رمضان ترتكز على دعامتين: "الورد" (وهو كمال العبودية والاتصال بالخالق)، و"الود" (وهو كمال الإحسان والعطاء للمخلوقين). وقد بلغ في الجود مبلغ الكمال الذي لا يُضاهى، فكلما تجلى الله من عليائه بفتح أبواب الجنان، قابل النبي ذلك بفتح أبواب المحمديات من الرحمة والمواساة على الناس. وما دمت يا ولدي بين الورد والود قائماً، فحبلك موصول ودينك في رشد، تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾⁽⁵⁾.

فلماذا كان يجود بكل هذا فور قراءة القرآن؟ لأنه كان يشكر ربه، معلناً بلسان الحال والمقال أنه مكتفٍ تماماً بنعمة القرآن، وكفى بها من نعمة تسد رمق الروح وتغني عن كنوز الدنيا. وهكذا ترتقي عقيدة المؤمن؛ حينما يتحول الحب الإلهي في قلبه إلى وفاءٍ مطلق، واكتفاءٍ صادق بمراد الله وكلامه.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.