Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة التزكية
التزكية والتصوف

أنوار المحبة المحمدية وعلاج أمراض القلوب: قراءة سلوكية في قصة أم المؤمنين جويرية

يستلهم هذا المقال من درر فضيلة الدكتور جابر بغدادي أسرار التزكية ومعاني التصوف السني، مبيناً كيف ترتقي النفس بالمحبة النبوية من حظوظها إلى درجات الإيثار، وكيف يُعالج السالك أمراض الغيرة والشح متأسياً بصحابة رسول الله.

اعلم يا ولدي، أسعدك الله بنور الفهم وأحيا قلبك بماء اليقين، أن طريق "علم السلوك والتزكية" ليس ادعاءً أجوفاً ولا طقوساً خالية من الروح، بل هو عين "مقام الإحسان" الذي أخبر به المصطفى صلى الله عليه وسلم. وإن منهج "التصوف السني المعتمد" لا يخرج قيد أنملة عن كتاب الله وسنة رسوله، فالقاعدة الذهبية التي أرساها سادتنا هي: "كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة بالصحة فهي زندقة". وما الغاية من هذا الطريق إلا إحياء روح العبادات المفروضة، وتطهير البواطن من الآفات، والترقي من وحل "النفس الأمارة" بالسوء، مروراً بـ "النفس اللوامة"، حتى تستقر في رحاب "النفس المطمئنة" الراضية المرضية. ومن نفائس الاستنباطات ما توقفنا عنده في مجالس التربية والتزكية لفضيلة الدكتور جابر بغدادي، حيث أضاء لنا زوايا خفية من سيرة سيد الخلق، مستخرجاً منها الترياق الشافي لأمراض القلوب المستعصية كالعُجب، والكبر، وحب الظهور، والغيرة المذمومة التي تفتك بالأرواح. ### دواء الغيرة ومجاهدة النفس بالمحبة تأمل يا ولدي كيف لخص الشيخ الداء والدواء في إشارته العميقة: "كم هتكت الغيرة العمياء أواصر الأخوة، وأواصر الإرادة". إن الغيرة المذمومة مرض عضال يأكل الحسنات ويقسي القلب، ولكن كيف عالجها الجيل الفريد؟ يوجهنا الشيخ إلى موقف السيدة عائشة رضي الله عنها حين التقى النبي صلى الله عليه وسلم ببني المصطلق عند ماء "المريسيع" في شهر شعبان، وجاءت السيدة جويرية بنت الحارث، وكانت امرأة مليحة، تطلب من النبي أن يعينها في مكاتبتها لفك أسرها، فقال لها الرؤوف الرحيم: «هل أدعوك إلى خير من ذلك؟ أن أتزوجك» ⁽¹⁾. هنا، يشير الشيخ جابر بغدادي إلى سر من أسرار السلوك: "تنازلت عائشة عن ما في قلبها من الغيرة إكراماً لرسول الله ضرباً من الحب". يا ولدي، هذا هو جوهر المجاهدة! أن تذبح حظوظ نفسك وشهواتها على عتبة المحبة. لم تنكر السيدة عائشة بشريتها، ولكنها أخضعت طبعها البشري لأدبها مع حبيبها ومصطفاها، فأقرت قائلة: "ما رأيت امرأة كانت أعظم بركة من جويرية على أهلها، الله أعتق بها مائة أسرة" ⁽²⁾. وهكذا ينبغي للسالك أن يُلجم غضبته وغيرته وهواه بشعاع الحب والتعظيم، فالمحبة الصادقة هي الكيمياء التي تحيل النحاس إلى ذهب إبريز. ### التنازل عن الحظوظ: حقيقة الزهد والتوكل ولما بلغ الصحابة الكرام نبأ زواج النبي من جويرية، تجلت فيهم أعظم مقامات "الزهد" و"الإيثار". يقول الشيخ: "كل واحد عنده أسير قال له: أنت قريبها، توكل على الله، إكراماً لنسب النبي فيهم... وتنازل الصحابة رضي الله عنهم إكراماً لجويرية من نسبها من رسول الله عما أولاهم الله من غنائم الحرب". إن الشريعة قد أحلت لهم الغنائم، وهذا حقهم الظاهر، ولكن "الحقيقة" و"مقام الإحسان" أذواقاهم حلاوة الترك لله وفي الله. إن إسقاط الحظوظ الدنيوية إكراماً للحبيب هو عين التصوف. إنهم لم يقرؤوا مجلدات في السلوك، بل تلقوا التزكية بالصحبة الصالحة، والنظر في وجه رسول الله. وهنا نرد بعلم وثقة على أولئك المتنطعين ذوي الفهم الجاف الذين ينكرون مشروعية التعلق بالصالحين أو التوسل بمحبتهم؛ فهؤلاء الصحابة أعتقوا مائة أسرة لا لشيء إلا لتعلقهم وتقديرهم للنسب النبوي الشريف والمصاهرة. فهل يُعد فعلهم هذا شركاً أو بدعة حاشاهم؟ بل هو كمال الإيمان وتمام الأدب، كما نبه عليه سيدي الإمام الجنيد البغدادي (ت: ٢٩٧ هـ، سيد الطائفة وإمام السالكين) حين جعل مدار الطريق على صفاء القلب وصحة الأدب. ### النظرة الربانية والرحمة النبوية (دعوة لا قهر) ويغوص بنا الدكتور جابر بغدادي في أعماق المقاصد النبوية، ليدحض شبهات المشككين ويوضح مقاصد الجهاد في الإسلام: "عشان نعرف إن الناس دول ما كانوا بيجاهدوا عشان يسروا أموال الناس، ما كانوا بيحاربوا الناس عشان يرغموهم على الإسلام". لقد كانت حروبهم رحمة، وزيجاته صلى الله عليه وسلم حكمة ربانية تتجاوز مستوى الأشباح والشهوات لتلامس إنقاذ الأرواح. يقول الشيخ معبراً عن لسان الحال النبوي: "كأنهم يعملون بسياسة: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم» ⁽³⁾... بأسرة مسلمة بطفل يقول: لا إله إلا الله، أفضل عندي من أن تأتيني بديارهم وأموالهم وكنوزهم". إن الغاية العظمى لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تحقيق قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ⁽⁴⁾. فيا ولدي، خذ من هذه الإشارات زاداً لطريقك، واعلم أن التزكية ليست انعزالاً عن الواقع، بل هي انخراط فيه بروح معطاءة، وقلب سليم، ونفس سَمَت عن حظوظها فأعتقت قيدها، تماماً كما أُعتقت مائة أسرة ببركة الرضا والتسليم لأمر الله ورسوله. اجعل من أذكارك ومجاهدتك ورداً يثمر فيك حِلماً، وفي محيطك سلاماً وأماناً، واصحب من تنهض بك إلى الله حاله، ويدلك على الله مقاله، ولله در العارفين الذين بنوا طريقهم على المحبة المحمدية الخالصة.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.