Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة التزكية

أنوار ﴿اقْرَأْ﴾ ومقام الستر والتوكل.. رحلة الروح من طين الغفلة إلى نور العرفان

اكتشف أسرار ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ في التزكية وعلاج العُجب، وكيف تترقى من طين الغفلة إلى نور الشهود بمعرفة اسم الله "الستير". تأملات سلوكية بليغة مستنبطة من درر فضيلة الدكتور جابر بغدادي لتربية النفس وتحقيق مقام الإحسان والتوكل والرضا.

اعلم يا ولدي، أن الله سبحانه وتعالى إذا أراد بعبده خيراً، فتح له أبواب الفهم في آياته، وأوقفه على أسرار كلامه، ليكون القرآن العظيم مرآةً يرى فيها حقيقة نفسه وضعفها، وعظمة ربه وكماله. وتلك هي غاية "التصوف السني المعتمد"، الذي ليس إلا إحياءً لروح العبادة، وتجسيداً صادقاً لـ "مقام الإحسان" الذي أخبر عنه المصطفى بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»⁽¹⁾.

وهذا المقام الشريف لا يُنال إلا لمن التزم بقاعدة سيدي الإمام الجنيد البغدادي (المتوفى سنة 297 هـ، سيد الطائفة وإمام السالكين) حين قال: "طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة"⁽²⁾، فكل حقيقة لا تشهد لها الشريعة بالصحة فهي زندقة، والترقي في مراتب الروح لا يسقط التكاليف الشرعية، بل يزيدها رسوخاً في قلب العبد المنيب. ومن معين هذا الفهم الصافي، نستلهم من توجيهات فضيلة الدكتور جابر بغدادي إشارات سلوكية عميقة، تنبثق من قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، لتعالج أمراض القلوب وتأخذ بيد السالك من وحل "النفس الأمارة" إلى صفاء "النفس المطمئنة".

### الافتقار إلى الله وعلاج "العُجب" يبدأ الشيخ إرشادنا بتسليط الضوء على نعمة النطق والفهم، قائلاً: "اقرأ باسم ربك العليم الذي فك عقدة لسانك وخلاك تنطق عشان لما تقرأ تعرف أنها مش بتاعتك". يا ولدي، إن من أشد الآفات التي تفتك بقلب المؤمن داء "العُجب" ورؤية العمل.

فالنفس ميالة إلى أن تنسب الفضل لنفسها إذا أطاعت أو تكلمت بالحكمة، وهنا يتدخل المنهج النبوي ليعيد العبد إلى حجمه الحقيقي. إن الذي أجرى الحق على لسانك، ويسّر لك الطاعة، هو الله. وإذا غاب عنك هذا المشهد، سقطت في بئر الغرور. فعلاج العُجب يكمن في الشهود الدائم بأن الفضل كله لله، وأنك مجرد وعاء تجلى عليه المولى بنعمة الإيجاد والإمداد.

### مقام "الستر" ومجاهدة "الرياء" ثم ينتقل الشيخ إلى تشخيص داء آخر يعصف بالقلوب، وهو داء "حب الظهور" والتأثر بمدح الناس، فيقول في عبارة توقظ الغافلين: "مذنب وعامل عمايل والناس تشوف وتقول يا نور النبي! اسم ربك إيه؟ سِتير. إذا أطلق الله ألسنة الخلق بالثناء عليك، فاشكر من سترك ولا تشكر من مدحك".

يا بني، إن الناس إنما يمدحون فيك جميل ستر الله عليك. فكم من زلة خفية لو كشفها الله لانفض الناس من حولك! إن العارفين بالله، أمثال سيدي الإمام الغزالي (المتوفى سنة 505 هـ، حجة الإسلام وطبيب القلوب)، يُعلموننا أن المؤمن الصادق إذا مُدح استحيا من الله، لأنه يعلم من نفسه ما لا يعلمه الناس. فإذا سمعت ثناء الخلق، فقل في سرك: الحمد لله الذي أظهر الجميل وستر القبيح، وتذكر اسم الله "الستير" الذي ورد في الحديث الصحيح: «إن الله عز وجل حيي ستير يحب الحياء والستر»⁽³⁾. بهذا الفهم، يذوب "الرياء" من القلب، ولا يبقى فيه إلا الإخلاص للمتفضل بالستر جل جلاله.

### من طينة الأرض إلى نورانية الروح يصور لنا الشيخ حقيقة التكوين الإنساني فيقول: "أنت بلوك طين بس حطينا فيه جوهرة من النور، عملناك إنسان". هذه هي المزاوجة العجيبة التي ذكرها القرآن الكريم: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾. الأرض بجاذبيتها وطينتها تشدك إلى أسفل حيث الشهوات، والروح بنورانيتها تجذبك إلى أعلى حيث "مقامات السر والشهود والعرفان".

يا ولدي، إن مجاهدة النفس ليست قتلاً لجسدك، بل هي إيقاف لطغيان "الطينة" على "الروح". حينما "تحاول الأرض أن تتصل بالسماء" كما يصف الشيخ، فإنها تقف خاشعة أمام الأمر الإلهي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. اقرأ لتعرف حدودك، لتقف أمام المرآة وتقول كما أرشدنا العارفون: "اعرف أنت مين وإحنا مين". أنت العبد الضعيف، وهو الرب القدير. هذه المعرفة هي أصل التزكية، فلا يترقى السالك حتى يتحقق بوصف العبودية التامة.

### التجلي المحمدي في مرآة الأكوان وعندما يتصل العبد بالسر الإلهي، ويقرأ بـ "الاسم الممدود من حضرة الجود"، فإنه يستمد نوره من الحقيقة المحمدية، التي هي واسطة العقد وباب الوصول. لقد تجلى الحق على نبيه فصار "أحمد" في الأزل، و"محمداً" في الأفعال والظهور، وصار عند ربه "محموداً". إن حبنا لرسول الله وآل بيته والأولياء والصالحين ليس شركاً ولا ابتداعاً كما يزعم المتنطعون الجفاة، بل هو عين التوحيد؛ لأنه محبة لمن أحبهم الله، واتباع للنور الذي سناه الله لهداية خلقه. ففي الحديث: «المرء مع من أحب»⁽⁴⁾.

### ثمرة السلوك: الرضا والتوكل وختاماً، يتوج الشيخ هذه الرحلة الروحية بثمرتها العملية في الحياة اليومية: السكينة و"الرضا". يخاطب الشيخ تلك النفوس المثقلة بالهموم قائلاً: "هتعرف تعيش كده؟ ولا هتجينا كل يوم حاطط لنا إيدك على خدك، ووشك تجاعيد.. ووشك يبان عليها إنك منكد وقرفان وزهقان وزعلان؟ يا عم خليها على الله". يا بني، إن غاية السلوك والتزكية أن تصل إلى "مقام الرضا" والتوكل المطلق على الله. إن القلق والاكتئاب والضيق الذي يخيم على وجوه الكثيرين اليوم ما هو إلا نتيجة للانقطاع عن المدد الإلهي والاعتماد على الأسباب الفانية. "خليها على الله" ليست كلمة تقال للتواكل، بل هي خلاصة تفويض الأمر لله بعد الأخذ بالأسباب، وهي يقين العارفين بأن مدبر الكون لا يقضي إلا بالخير، ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. فانهض يا ولدي، واغسل غبار الغفلة بدموع التوبة، وتمسك بحبل الشريعة المتين، واجعل من ﴿اقْرَأْ﴾ مفتاحاً لشهود منن الله عليك، تكن من السعداء في الدارين.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

الشيخ جابر بغدادي