Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة

عقيدة الافتقار وسر الستر الإلهي: تأملات عقدية في مقامات العبودية لله

مقال عقدي عميق مستنبط من توجيهات الدكتور جابر بغدادي، يشرح عقيدة توحيد الأفعال وتنزيه الله، ويحذر من العقيدة الجبرية، مبيناً سر اسم الله الستير، ومقام الافتقار، وحقيقة العبد بين طينته السفلية ونفخة النور الإلهي.

## توحيد الأفعال والنجاة من فخ الجبرية ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.

اقرأ يا ولدي باسم ربك العليم الذي فك عقدة لسانك وجعلك تنطق، لكي تدرك حين تقرأ وتتكلم أن هذه الفضيلة وتلك القدرة ليست من كسبك الذاتي المستقل، ولا هي حول وقوة تملكها من دون الله. وهنا يا ولدي نقف أمام عقيدة راسخة من عقائد أهل السنة والجماعة، وهي شهود "توحيد الأفعال"، وإسناد الفضل والتوفيق للمُنعم جل جلاله. ولكن احذر يا ولدي، وإياك أن تفهم من هذا التوجيه تجريد العبد من إرادته، أو الوقوع في فخ "العقيدة الجبرية" الباطلة التي تسلب الإنسان اختياره ومسؤوليته عن أفعاله، كلا وحاشا! بل العبد فاعل مختار يُحاسب على قصده وسعيه، ولكن كمال التوحيد والعقيدة الصحيحة تقتضي أن تشهد أن القوة، والحول، والتمكين، وفك عقدة اللسان، إنما هي من فضل الله وتوفيقه وحده، كما قرر ذلك الإمام تاج الدين بن عطاء الله السكندري (ت: 709 هـ) (قطب العارفين وركن التصوف السني) في درره وحكمه⁽¹⁾.

## عقيدة الستر وإدراك حقيقة النفس المفتقرة قد تكون يا ولدي مثقلاً بالذنوب، مقترفاً للخبايا والخطايا، والناس ينظرون إليك فيرون إشراقاً ويهتفون من فرط حسن ظنهم قائلين: "يا نور النبي!". فما السر العَقَدي في ذلك؟ السر يكمن في معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى؛ فاسم ربك العظيم هو "السِّتير" سبحانه⁽²⁾. فإذا أطلق الله ألسنة الخلق بالثناء عليك، فعقيدتك السليمة توجب عليك أن تشكر من سترك وأسبل عليك رداء عافيته، ولا تضع شكرك فيمن مدحك، لأن المادح إنما مدح ستر الله فيك لا حقيقتك. فما أنت في أصلك المادي وحقيقتك الدنيوية إلا قبضة من طين، بيد أن الحق سبحانه وتعالى خلقك وأودع فيك جوهرة من النور، فصيَّرك بها إنساناً مكرماً. وهذا يرسخ في قلبك عقيدة الافتقار التام للخالق، وأن كل كمال تراه في نفسك إنما هو عارية مُستردة ومنحة من الخالق العظيم.

## حدود العبودية وجلال الربوبية ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. انظر بعين بصيرتك يا ولدي إلى الأرض حينما حاولت أن تتصل بالسماء، وحين سعت لترتقي بالطينة السفلية لتتصل بالروح، ثم ترتقي بالروح إلى صفاء الروحانية، ومن الروحانية تعرج إلى مقامات السر والشهود والعرفان الباطن؛ عند هذه اللحظة الفارقة المليئة بالأنوار، قيل له: اقرأ باسم ربك الذي خلقك. والمعنى العقدي هنا يا ولدي هو إرساء قاعدة التوحيد الكبرى: انظر في مرآة حقيقتك، وتأمل لتعرف مقامك: خذ ما يليق بضعفك وعبوديتك، واترك لخالقك ما يليق بجلاله وربوبيته. اعرف من أنت في فقرك الدائم وعجزك التام، واعرف من هو خالقك في غناه المطلق وقدرته القاهرة. وأدرك يقيناً، ماذا يمكن أن تكون من غير مدده وحفظه؟ لا شيء! واعرف ما الذي ستكون عليه إن كنت متوكلاً عليه، موقناً بمعيته.

## كمال التسليم والتوكل على مسبب الأسباب فلما أعطى الحق سبحانه وتعالى نبيه المصطفى سر القراءة، قرأ بالاسم الممدود من حضرة الجود، فصار في الأزل "أحمده"، ولما تجلى في عالم الشرع والأفعال صار "محمداً"، وصار عند الله عز وجل "محموداً"⁽³⁾. فهل لك يا ولدي بعد أن أدركت هذه العقائد الراسخة، وعرفت أن الأمر كله لله، وأن أفعالك مخلوقة لله مع ثبوت اختيارك، وأن سترك من جوده، أن تعيش بهذا التسليم المطلق والتوكل الصادق؟ أم أنك ستأتينا في كل يوم واضعاً كفك على خدك، وقد كست التجاعيد وجهك، وبدت على ملامحك علامات النكد والضجر، والضيق والحزن معترضاً على مقادير الله؟ يا ولدي، إن كمال العقيدة يثمر طمأنينة القلب، فدع عنك تدبيرك الموهوم في ظل تدبيره المحتوم، واطرح أحمالك، و"خليها على الله" يقيناً وتوكلاً، فهو حسبك ونعم الوكيل⁽⁴⁾.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.