بقلم: الشيخ جابر بغدادي
مرادك ومراد الله: حين تضحي بهواك ليكون العوض هو المَلِك
مرادك ومراد الله: حين تضحي بهواك ليكون العوض هو المَلِك
## سراب الأمنيات وحقيقة الرضا بالقسمة يا ولدي، كم من سائرٍ في دروب الحياة تتعلق همته بمقصد، فإذا بالمقادير تسوقه إلى غير ما أراد، فيكاد قلبه ينفطر حسرة على ما فاته. يتقدم المرء منا طالباً سبيلاً في العلم بالتحاقٍ في كلية ما، فتقوده الأقدار إلى كلية غيرها؛ ويرجو من الله الولد متلهفاً، فتهب له العناية الإلهية بنتاً؛ ويُمني النفس بأن يعتلي منبر الطب، فإذا بالتصاريف تقيمه في صرح الهندسة. يا بني، متى رأيت زرعك الذي غرسْته بيمينك قد أثمر شيئاً غير الذي عهدت ورجوت، فلا تبتئس ولا يضق صدرك، بل سارع بقلبك قبل لسانك إلى تلاوة سورة الواقعة، وتأمل في جلال الخطاب الإلهي في قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾⁽¹⁾.
## أدب العبودية ومقامات التسليم عند هذه الآية الكريمة، يجب أن يسكن القلب ويرضى بقسمة مولاه. فاعلم يا ولدي أن كمال الأدب مع الله عز وجل ينبني على دعائم أربع: أن تشكر النعمة، وأن تقنع بالحكمة المحيطة، وأن ترضى بالقسمة المقدورة، وأن تحفظ الحرمة المصونة.
إن الهجرة الحقيقية في مسالك العارفين ليست مجرد انتقال للأبدان، بل هي الخروج والانسلاخ من ضيق مراداتك إلى سعة مراد سيدك ومولاك. فالواقع الذي اختاره الله لك، والميدان الذي أقامك فيه لتكدح وتعمل، إن أنت رضيته وسلمت فيه، استحالت ناره برداً وسلاماً، وتحول بفضل الله إلى جنة وارفة الظلال.
## الهجرة إلى الله ومقام العوض الأوفى يا ولدي، إن حقيقة التسليم تقتضي ألا تنازع الحق جل جلاله في اختياره لك. وصدقني، متى كانت هجرتك بصدق إلى الله، فإن العوض الأوفى هو الله ذاته. سوف تجد منه سبحانه بدلاً خيراً مما فاتك، وسيفيض على جيبك نوراً من اليقين الخالص، ويملأ قلبك طمأنينة. فانظر بعين البصيرة؛ تجد رجلاً تعلق بما في جيبه من أسباب الدنيا، فمات مقتولاً بسيف الهم والتفكير في غده المجهول، وتجد آخر تعلق بما في قلبه من يقين، فعاش حياً حياة طيبة كريمة. فإن العبد متى صفا باطنه، وعرف قدر حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم، ارتقى إلى مقام لا يحزن فيه على مفقود، ولا يطير فرحاً وغروراً بموجود دنيوي.
## سر العطاء الإلهي في ترك الهوى ولسان الحال الإلهي ينادي روحك: يا عبدي، إن تركك لما تهوى طالباً لما يرضينا، يجعلنا نتولى أمورك ونعمل على رضاك. وتأمل معي يا ولدي في الحديث الشريف الذي أخرجه أمير المؤمنين في الحديث الإمام البخاري (ت: ٢٥٦ هـ): «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ»⁽²⁾.
هل سألت نفسك يوماً: لِمَ لَمْ يذكر النبي صلى الله عليه وسلم جزاءً محدداً في هذا الموضع؟ كان من المقتضى أن يقول: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فله الجنة، أليس كذلك؟ بيد أنه لم يذكر الجنة، بل قال: «فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ». وما غاية هذا البيان المعجز؟ المعنى هنا يا بني أن الذي يهاجر هجرة عادية قد يدخله الله الجنة، أما أنت، فلما تركت حظوظك من أجلنا، آلينا ألا نجعل عطاءك محدوداً، بل سنعطيك ما تركت، ونكرمك على قدر جلالنا لا على قدرك أنت. ولذلك أخفى الجزاء ليقول لك: تركك كان على قدرك، وعوضنا لك سيكون على قدرنا المحيط!
## زهد المملكة وعطاء المَلِك فأنت متى تركت مرادك لله، تجلت لك الأنوار. ولنضرب لذلك مثلاً مما يعايشه الناس في أعمالهم: قد يُعرض عليك في ميدان عملك مكسب عاجل، دراهم معدودة كفيلة بتغيير حالك إن أنت أمسكت بقلمك وأمضيت تلك الورقة المريبة. مالٌ قد يدفعك لشراء مركبة غالية فارهة، وقد تزين لك النفس أن تنحرف يمنة أو يسرة لتنال الألقاب، لتقول للناس منتشياً "أنا بيه" أو "أنا باشا". لكنك متى وقفت وقفة العبد الرباني، وأدركت حقيقة التوحيد قائلاً: "إنما أكون سيداً حقاً حين أكون (بِهِ) سبحانه، لا بمالي ومنصبي"، وتركت هذا المتاع الزائل لأجله، فإنك ستجده هو سبحانه. هو لم يعدك بجنة فحسب، ولم يقتصر على تأمينك من النار، بل كأنه يقول لك بلطفه الخفي: "لا يا عبدي، إن أمرك وحكايتك كلها عندي وفي رعايتي". فلقد زهدت في المملكة الزائلة، فكان العوض هو "المَلِك" جل جلاله، يزيدك من نعيم قربه المتصل. فيا لروعة العطاء، ويا لجمال العوض، حين تترك هواك من أجل رضاه.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (عقيدة التسليم والرضا بالقضاء والقدر: كيف تهاجر من هواك إلى مراد مولاك؟ – مستنبط من توجيهات د. جابر بغدادي)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه الرضا والتسليم: عندما يكون العوض هو الله (قراءة فقهية وعقدية في توجيهات د. جابر بغدادي))الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (أدب التسليم وحلاوة العوض: هجرة القلب من مراد النفس إلى مراد الله)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (لما تضحي بـ «هواك» عشان «رضاه».. استعد للانبهار.)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (صراع الإرادات بين مراد العبد ومراد الرب.. كيف نرضى بالقسمة وننال العوض الإلهي؟)الأسئلة
