مقام الافتقار ومجاهدة وساوس الشيطان: قراءة سلوكية في توجيهات التزكية لفضيلة الدكتور جابر بغدادي
التزكية والتصوف:
منهج الإحسان ومجاهدة النفس يا ولدي، اعلم أرشدك الله لطاعته، أن طريق السير إلى الله محفوف بالمكاره، وأن النفس الإنسانية تتقلب بين أطوارها؛ من "النفس الأمارة" بالسوء، إلى "النفس اللوامة" التي تتألم لتقصيرها، وصولاً إلى غاية المنى وهي "النفس المطمئنة" بذكر ربها. وإن من أعظم محطات هذا السير، التحقق بمقام الإحسان، الذي هو عين التصوف السني الأصيل. وقد سار على هذا الدرب أئمة الهدى، مؤسسين بنيانهم على القاعدة الذهبية الخالدة: "كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة بالصحة فهي زندقة" ⁽¹⁾.
فإياك يا ولدي أن تظن أن مقامات السلوك كالزهد، والتوكل، والرضا، تسقط عنك التكليف أو تهون من شأن العبادات الظاهرة، بل هي إحياء لروح الشريعة في باطنك. وفي هذا السياق المفعم بالأنوار، نستلهم من التوجيهات السلوكية لفضيلة الدكتور جابر بغدادي دواءً ناجعاً لأحد أعتى أمراض القلوب ومكائد إبليس، ألا وهو "الوسواس القهري" الذي يزرع اليأس ويقطع طريق السالكين.
تشخيص الداء:
مكائد الشيطان في تيئيس السالكين تأمل يا ولدي كيف يشخص الشيخ الداء ببراعة العارفين، مبيناً مسالك الشيطان الخفية حين يعجز عن ردعك عن ظاهر الشريعة. يقول فضيلته مبيناً حال العدو: "ما هو الشيطان ما يعرفش يخليك تصلي، يعني ما يعرفش يبطل لك الصلاة، يقول لك الصلاة مش مقبولة". إن إبليس حين يرى استقامتك الظاهرة، وحرصك على الوقوف بين يدي الله، لا يأتيك من باب ترك الفريضة، بل يأتيك من باب إفساد اليقين، محاولاً إيقاعك في آفة "القنوط" والغفلة. يتابع فضيلته كشف هذه الخبايا قائلاً: "ما يعرفش يعطلك عن ذكر الله، يقول لك الذكر ده مش مقبول. فيعقدك من نفسك، ويقول لك إيه أنت يا عم؟ هو أنت تروح فين وتيجي منين؟ أنت مش مقبول". هنا يتجلى مرض خفي يا ولدي، وهو مرض "رؤية العمل"، فالشيطان يجعلك تنظر إلى عبادتك بعين النقص المؤدي إلى اليأس، ليحجبك عن رؤية "المنعم" سبحانه وتعالى. يريد أن يثبط عزيمتك كلما لاحت لك بارقة أمل، وكما يصف الشيخ: "كل ما تستشرف طاعة، يفكرك جبل الذنوب اللي أنت بانيه". إنها حيلة خبيثة لإبقائك في قاع "النفس الأمارة"، مسجوناً في جبل خطاياك، محجوباً عن سعة رحمة مولاك.
مقام الافتقار:
السلاح البتار لقطع الوسواس وكما أن لكل داء دواء، فإن دواء هذا الوسواس يكمن في التحقق بمقام "الافتقار إلى الله" وتجريد التوكل. وهنا يلقننا الشيخ بغدادي "جملة قاتلة للوسواس القهري"، وهي مناجاة تفيض بأسرار التفويض: "اللهم افعل بي وبهم، عاجلاً وآجلاً، في الدين والدنيا والآخرة، ما أنت له أهل، ولا تفعل بنا يا مولانا ما نحن له أهل" ⁽²⁾. يا سلام.. هكذا تذوقها الشيخ ونطق بها، لأنها تعبر عن الانسلاخ التام من الحول والقوة. إنك بهذا الدعاء تعلن خروجك من تدبيرك إلى تدبير الله، ومن سوء ظنك بنفسك إلى حسن ظنك بربك. إنك تقول بلسان الحال والمقال: يا رب، أنا لا أعتمد على صلاتي ولا على ذكري، بل أعتمد على كونك "أهل التقوى وأهل المغفرة".
وهذا هو عين ما نص عليه الإمام سيدي أبو حامد الغزالي (ت: 505 هـ، حجة الإسلام وطبيب القلوب) في إحياء علوم الدين، من أن العبد يجب أن يتبرأ من عجبه بعمله، ويرد الفضل كله لمولاه ⁽³⁾.
سر النجاة:
التوحيد ومحبة المختار ﷺ ولما كان السالك في أمس الحاجة إلى حبل يعتصم به حين يشتد عليه كيد الشيطان، يوجهنا الشيخ إلى الحصن الحصين، مترنماً بأبيات تسكب السكينة في الروع: "ذنوبي في الورى عظمت، وليس لي عمل في الحشر ينجي، وقد أتيتك بالتوحيد يتبعه حب النبي، وهذا القدر يكفيني" ⁽⁴⁾. شوف المعنى عامل ازاي يا ولدي! هنا يقرر السالك حقيقة مذهبه، وهي أن الأعمال الظاهرة -وإن وجبت- لا تستقل بالنجاة، مصداقاً لما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: «لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ» ⁽⁵⁾.
يشرح الشيخ هذا المقام الشريف قائلاً: "يا رب ذنوبي في الورى عظمت، وليس لي عمل في الحشر ينجي.. أنا أبيض خالص، ما فيش عندي عمل أعتمد عليه وأملك به نهائي". إياك يا ولدي أن تفهم من قوله "أنا أبيض خالص" دعوة لترك العمل أو إسقاط التكليف، فهذا فهم العوام الجاهلين بمقاصد العارفين. بل المعنى هو خلو القلب من الركون إلى العمل، والتعلق بأذيال الرحمة عبر "التوحيد" الخالص، وبوابة المحبة لسيد الخلق ﷺ.
إن حب النبي ﷺ ومشروعية التوسل به والتعلق بأوليائه، ليس بدعة كما يروج المتنطعون والجفاة، بل هو أصل من أصول الدين وعلامة من علامات كمال الإيمان في منهج أهل السنة والجماعة. فالمحب الصادق يرى في محبة رسول الله ﷺ طوق النجاة الأوحد حين تتهاوى أمامه جبال الأعمال وتشخص الأبصار.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (الرجاء في التوحيد وحب النبي: أسرار التخلص من الوسواس القهري ومكائد الشيطان)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدة الرجاء وحسن الظن بالله: رؤية عقدية في التخلص من مكائد الشيطان من وحي الدكتور جابر بغدادي)العقيدة
- للاطلاع على الآيات والأحاديث الموثقة في هذا الفيديو، قم بزيارة موسوعة التوثيق العلمي الشاملة (التوثيق العلمي لدرس علاج الوسواس القهري للشيخ جابر بغدادي)التوثيق العلمي
- يمكنك قراءة إجابة مستنبطة من حديث الشيخ في هذا الفيديو من هنا (حيرة المذنب بين كثرة الذنوب ووسواس عدم القبول)الأسئلة
