عقيدة الرجاء وحسن الظن بالله: رؤية عقدية في التخلص من مكائد الشيطان من وحي الدكتور جابر بغدادي
العقيدة الصحيحة في مجابهة مكائد الشيطان ووساوسه يا ولدي
إن المعركة الحقيقية بين العبد والشيطان ليست معركة جوارح فحسب، بل هي في صميمها معركة عقيدة وإيمان. فالله در هذه الكلمات التي تنبثق من مشكاة اليقين، والتي تمثل جملة قاتلة للوسواس القهري الذي يعتري القلوب، حين يلهج اللسان معتقداً بما في الجنان: "اللهم افعل بي وبهم، عاجلاً وآجلاً، في الدين والدنيا والآخرة، ما أنت له أهل، ولا تفعل بنا يا مولانا ما نحن له أهل" ⁽¹⁾.
إنها نعم الله السابغة، وعقيدة التفويض المطلق للذات العلية. فاعلم يا ولدي أن الشيطان الرجيم، حين يعجز عن ردعك عن الطاعة، وحين لا يعرف كيف يجعلك تترك الصلاة، أي لا يستطيع أن يبطل لك الصلاة بجوارحك، فإنه ينفذ إلى قلبك ليضرب عقيدة الرجاء وحسن الظن بالله في مقتل. يأتيك ليهمس في روعك بأن الصلاة غير مقبولة. وحين لا يعرف كيف يعطلك عن ذكر الله، يقول لك بلسان التيئيس إن الذكر هذا غير مقبول. غايته الكبرى أن يعقدك من نفسك، وأن يجعلك تسيء الظن بربك، فيقول لك مستنكراً: إيه أنت يا عم؟ هو أنت تروح فين وتيجي منين؟ أنت مش مقبول. فكلما تطلعت روحك واستشرفت للقيام بطاعة، وقف لك بالمرصاد ليفكرك بجبل الذنوب الذي أنت بانيه بيدك، ليحجبك عن سعة رحمة الله وعظيم غفرانه.
حقيقة الافتقار إلى الله والتحذير من مزالق الجبرية وهنا يا ولدي
يتجلى الفهم العقدي الدقيق لمعنى الافتقار إلى الله. حين يقول العارف: "ولا تفعل بنا يا مولانا ما نحن له أهل"، فهو يعلن براءته من حوله وقوته وعمله، ويرد الفضل كله لله. ولكن، حذارِ يا ولدي أن تفهم من هذا الطرح أننا ندعو إلى ترك العمل أو الركون إلى الكسل، فهذا مزلق من مزالق عقيدة "الجبرية" الباطلة، التي تدعي أن العبد مجبور لا إرادة له، وأن العمل لا قيمة له. كلا يا ولدي، إن العقيدة السنية الصافية توجب عليك الأخذ بالأسباب والقيام بالطاعات، لقوله تعالى ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ ⁽²⁾.
بيد أن التوجيه العقدي هنا ينصب على "القلب" لا على "الجوارح". فالجوارح تعمل وتكدح، أما القلب فلا يعتمد على هذا العمل، بل يعتمد على فضل الله ورحمته. إن العبد لا يدخل الجنة بعمله، بل برحمة الله، كما ورد في (صحيح البخاري) ⁽³⁾ عن النبي ﷺ. فعدم القبول الذي يوسوس به الشيطان يُدفع بعقيدة أن القبول محض فضل إلهي، وليس استحقاقاً بشرياً مفروضاً على الله، حاشاه سبحانه.
التوحيد ومحبة المختار:
طوق النجاة يوم الحشر ولما كان العبد في سيره إلى الله يرى تقصيره ونقصه، فإنه يلوذ بأصل العقيدة، وهو التوحيد الخالص، وبثمرته العظمى وهي محبة النبي ﷺ. وكما صدح بها المحبون: "ذنوبي في الورى عظمت، وليس لي عمل في الحشر ينجي، وقد أتيتك بالتوحيد يتبعه حب النبي، وهذا القدر يكفيني" ⁽⁴⁾. تأمل يا ولدي هذا المعنى العقدي البديع: يا رب، إن ذنوبي في الورى قد عظمت وتكاثرت، وليس لي عمل في يوم الحشر أعتمد عليه لينجيني من عذابك. إنما أتيتك بأصل النجاة، وهو إفرادي لك بالوحدانية، وهذا التوحيد يتبعه بالضرورة حب نبيك المصطفى ﷺ، وهذا القدر من الإيمان والمحبة يكفيني لأرجو شفاعته ورحمتك.
التبرؤ من الحول والقوة:
أنا خالي الوفاض إلا من فضلك شوف يا ولدي المعنى عامل ازاي، وتأمل كيف يرسخ في عقيدة المسلم أن النجاة ليست بالغرور بكثرة الطاعات. حين يناجي العبد ربه قائلاً: يا رب ذنوبي في الورى عظمت، وليس لي عمل في الحشر ينجي، فإنه يصل إلى ذروة التجريد العقدي، مقراً بضعفه قائلاً: أنا أبيض خالص، ما فيش عندي عمل أعتمد عليه وأملك به نهائي. هذا البياض الذي يقصده الشيخ ليس بياض العدم وترك الشريعة، معاذ الله، بل هو بياض الصحيفة من ادعاء القدرة، وخلو القلب من رؤية العمل. هو اعتراف العبد بأنه لا يملك لله حجة، ولا يوجب على الله حقاً، بل الحق كله لله، يتفضل به على من يشاء من عباده. فاعتصم يا ولدي بحبل التوحيد، وتدرع بحب النبي ﷺ، وألقِ بجبل ذنوبك في بحر عفو الله الواسع، موقناً أنه سبحانه أهل التقوى وأهل المغفرة.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (الرجاء في التوحيد وحب النبي: أسرار التخلص من الوسواس القهري ومكائد الشيطان)المقالات
- للتعمق في الجانب الروحي وتزكية النفس لهذا الموضوع، راجع هذا المحتوى (مقام الافتقار ومجاهدة وساوس الشيطان: قراءة سلوكية في توجيهات التزكية لفضيلة الدكتور جابر بغدادي)التزكية والتصوف
- للاطلاع على الآيات والأحاديث الموثقة في هذا الفيديو، قم بزيارة موسوعة التوثيق العلمي الشاملة (التوثيق العلمي لدرس علاج الوسواس القهري للشيخ جابر بغدادي)التوثيق العلمي
- يمكنك قراءة إجابة مستنبطة من حديث الشيخ في هذا الفيديو من هنا (حيرة المذنب بين كثرة الذنوب ووسواس عدم القبول)الأسئلة
