Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة الشريعة
مقالات وتوجيهات

فقه الصفح الجميل وعقيدة الرضا في مواجهة المظالم: استنباطات من توجيهات الدكتور جابر بغدادي

نستلهم في هذا المقال من توجيهات الدكتور جابر بغدادي دقيق فقه المعاملات القلبية وعقيدة الرضا، حيث نتناول الفقه الصحيح للصفح الجميل، ونحرر مسألة رؤية الأولياء لأفعال الله في المظالم رداً على الفهم الخاطئ للعقيدة الجبرية، لندرك كيف يعزي الله المحبين بكلامه غير المخلوق في مواجهة أذى الخلق.

إن من أعمق أبواب الفقه التي غفل عنها الكثيرون في زماننا هذا هو "فقه القلوب" ومعاملاتها مع الخالق والمخلوق. وحين نستقرئ توجيهات الدكتور جابر بغدادي في شأن العزاء الرباني للمظلومين، نجدنا أمام بحر زاخر من الاستنباطات الفقهية والعقدية التي ترسم للمريد طريقاً واضحاً نحو الله. إن الله جل جلاله حين يعزي العبد في عداوة عبد آخر، وحين يجبر كسر المظلومين والمنكسرين، فإنه يوجههم إلى فقه التسامح والصفح؛ فلو وقف الكون بأسره ضدك، فالقاعدة الفقهية القلبية هنا هي: "سامح". فليس في العمر متسع لنقف موقف الخصوم والمحاسبين، بل يجب على العبد أن يسارع ليكون في الصفوف الأولى مع أهل القرآن، لينال العوض الإلهي. أولاً: فقه المواهب والفرق بين الإعطاء والإيتاء لقد تجلى الفقه الدقيق في تفريق النص بين العطايا الربانية، وذلك عند تدبر قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾⁽¹⁾ (سورة الكوثر)، وقوله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾⁽²⁾ (سورة الحجر). يبرز هنا فقه العقيدة في التمييز بين كلام الله غير المخلوق وبين نعيم الجنة المخلوق. ففي الكوثر استخدم الحق لفظة "أعطيناك" لأن الإعطاء يفيد التمليك، فالكوثر حوض ونهر في الجنة وهو ملكية خاصة للحبيب المصطفى . أما في شأن القرآن، فقد استخدم لفظة "آتيناك"، لأن الإيتاء هنا هو منح لشيء عظيم لا يُمَلَّك ولا يُحَد، ألا وهو "كلام الله القديم غير المخلوق". ومن فقه هذه الآية أن من أوتي كلام الله، فقد أوتي أعظم عزاء وجبر في مواجهة بلايا الدنيا. ثانياً: فقه الصفح الجميل ومقام المغفرة من أصول الفقه النبوي في التعامل مع الأذى هو الارتقاء من مجرد كف الأذى أو العفو العادي، إلى مقام "الصفح الجميل" الذي أمر الله به نبيه في قوله: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾⁽³⁾ (سورة الحجر). والصفح الجميل فقهاً هو العفو الذي لا يخالطه عتاب، ولا يبقى في الصدر منه حقد ولا ضغينة. وهو مقام لا يستطيعه إلا الكُمَّل من الرجال. وهذا الفقه تجسد عملياً في فقه السيرة النبوية يوم فتح مكة، حين ظن البعض أنه يوم للانتقام والتصفية قائلين: "اليوم يوم الملحمة"، فصحح لهم النبي هذا الفهم، وأسس لفقه الرحمة المحمدية قائلاً: «لا، اليوم يوم المرحمة»⁽⁴⁾ (صحيح البخاري). ومن هذا المعين الفقهي الروحاني، استنبط سيدي الشيخ عبد القادر الجيلاني (ت: ٥٦١ هـ، سلطان الأولياء وتاج العارفين)⁽⁵⁾ مشربه في دعوة المخالفين حين قال: "من أحبنا فهو لنا، ومن لم يحبنا فنحن له". وهذا هو فقه الدعوة؛ أن تكون طبيباً يداوي أمراض القلوب، لا جلاداً يحاسب المخطئين. ثالثاً: عقيدة الأفعال بين شهود الأولياء ومسؤولية العباد (تحرير العبارة ودفع شبهة الجبرية) وهنا نصل إلى مسألة عقدية بالغة الدقة، أشار إليها الدكتور جابر بغدادي حين قال: "الأولياء بيشوفوا كل الأفعال من الله، حتى الظالم ده، مين اللي سايبه يظلمني؟ ربنا، عشان يعديني من غير حساب". إن استنباط الفقه العقدي من هذه العبارة يقتضي منا اتخاذ التدابير الاحترازية لشرحها وفقاً لعقيدة أهل السنة والجماعة، حذراً من أن ينزلق فهم القارئ إلى "العقيدة الجبرية" الباطلة. إن رؤية الأولياء للأفعال الصادرة من الخلق على أنها من الله، هي رؤية "شهود توحيدي" وليست إسقاطاً للتكليف الشرعي. فالولي المحقق يعلم يقيناً أن الظالم مُحاسَب ومأزور على ظلمه باختياره وكسبه، فالشريعة تثبت مسؤولية العبد عن أفعاله الاختيارية وتجازيه عليها. ولكن الولي، في مقام "الحقيقة" ومعاملته مع ربه، لا ينظر إلى يد الظالم التي تبطش، بل ينظر بعين البصيرة إلى "المُقَدِّر" جل جلاله. هو يرى أن الله قد أذن كوناً – لا شرعاً – بوقوع هذا البلاء، لحكمة بالغة، وهي أن يرفع درجة المظلوم، ويمحصه، ويؤهله للولوج في دائرة الصابرين الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾⁽⁶⁾ (سورة الزمر). فالفهم الفقهي الصحيح هنا: أننا لا نبرر للظالم ظلمه، ولا نرفع عنه إثم التعدي بدعوى أن الله قدر عليه ذلك (كما تفعل الجبرية)، بل نطبق عليه أحكام الشرع في دفع الظلم. ولكننا في ذات الوقت، نحمي قلوبنا من مرارة الحقد والجزع، بالنظر إلى الفاعل الحقيقي وهو الله، فترضى القلوب وتطمئن، وتحيل المحنة إلى منحة. رابعاً: فقه الاعتصام بالقرآن كعزاء إلهي يختتم هذا التوجيه بفقه الاعتصام، فإذا استقرت هذه المعاني في القلب، وأصبح كلام الله يملأ حشايا العبد وطواياه، صار في جنة معجلة لا تضره فيها عداوة الأعداء. وقد عبر عن هذا المعنى أحد أئمة السلف (ت: ٧٢٨ هـ)⁽⁷⁾ حين قال: "ماذا يفعل بي أعدائي، إن جنتي وبستاني في صدري، إن معي كتاب الله". فمتى وجدت كلام الله يجري على لسانك وقت الشدة، فاعلم من فقه الإشارات أن الله هو من يعزيك، وهو الطبيب الذي يداوي جرحك المنكسر.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة 7 دقائق